الأحد 11/يناير/2026 - 07:35 م 1/11/2026 7:35:46 PM
قال حاكم إقليم دارفور رئيس حركة جيش تحرير السودان، منى أركو مناوى، إن وجود مصر فى أى إطار سياسى لحل الأزمة السودانية أمر مهم ومقدّر، مشيرًا إلى أنها من أكثر الدول التى وقفت مع السودان، ويُنظر إلى دعمها باعتباره أساسيًا لاستقرار البلاد ووحدتها.
وأضاف «مناوى»، خلال حواره مع «الدستور»، أن المعطيات تشير إلى أن إدارة المعارك والعمليات العسكرية ضد الدولة تتم من خارج البلاد، مبينًا أن ما يحدث فى الصومال والتحركات العسكرية فى البحر الأحمر لا يمكن فصلهما عن المشهد السودانى، معتبرًا أن ذلك مرتبط بمخططات إقليمية.
■ كيف تقيّمون الأوضاع الميدانية والأمنية فى دارفور حاليًا؟
- الوضع الميدانى معقد وصعب، خاصة فى شمال دارفور. بعض المحليات لا تزال تحت سيطرة القوات المشتركة، فيما تشهد مناطق أخرى معارك مستمرة، خاصة فى المناطق الحدودية، وهناك محاولات من قوات الدعم السريع لفرض طوق على مدن رئيسية فى شمال وجنوب كردفان، لكن هذه المحاولات تُقابل بتصدٍ واضح، ولدينا مؤشرات ميدانية على تراجعها، وإن كانت المعارك لا تزال مستمرة.
■ ماذا عن الوضع الإنسانى؟
- الأوضاع الإنسانية مأساوية بكل المقاييس. انقطاع الاتصالات، وصعوبة وصول المساعدات، وتوسع رقعة النزوح، كلها عوامل تزيد من معاناة المدنيين. ما يحدث لا يمكن فصله عن المسار السياسى؛ فالمعالجة الإنسانية دون أفق سياسى ستظل حلولًا مؤقتة لا تنهى جذور الأزمة.
■ ما موقفك مما يُعرف بالمبادرة الرباعية؟
- موقفى واضح منذ أكثر من عام ونصف العام، لا أعترف بشىء اسمه «الرباعية». أى مبادرة تضم أطرافًا متورطة فى دعم قوات الدعم السريع لا يمكن أن تكون وسيطًا نزيهًا. قبول هذه الصيغة، من وجهة نظرى، يمثل تجاوزًا لإرادة الشعب السودانى، بل وخيانة لها.
■ هل ترفضون المبادرات الدولية بشكل عام؟
- نحن لا نرفض السلام أو الحوار، بالعكس لا توجد حرب فى العالم تنتهى دون تفاوض. لكننا نرفض الخلط بين الوسيط ومن هو طرف فى الصراع. المبادرات المقبولة هى تلك التى تأتى بشكل منفرد وواضح من دول مثل مصر أو السعودية أو الولايات المتحدة، دون إدخال أطراف فقدت صفة الحياد.
■ كيف تقيم دور الفاعلين الدوليين فى أزمة السودان تحديدًا؟
- الفاعلون الدوليون فى أزمة السودان، فى تقديرنا، يجب أن يخرجوا من خانة «الوسيط» إلى خانة «الدولة الطرف». إذا كانت هناك رغبة حقيقية فى خفض التصعيد، فالحوار يجب أن يكون مباشرًا وشفافًا بينهم وبين الحكومة السودانية، لمناقشة أسباب الأزمة ووقف أى دعم لقوات الدعم السريع.
■ ما حدود الضغط الأمريكى على الفاعلين الدوليين فيما يخص السودان؟
- يجب أن نكون واقعيين. الضغط الأمريكى على الفاعلين الدوليين فى أزمة السودان له حدود واضحة، لأنه محكوم بطبيعة التحالفات الأمريكية- الإقليمية بكل عناصرها السياسية والعسكرية والاقتصادية. لا يمكن الحديث عن ضغط مطلق أو مواجهة مباشرة، فالمصالح هى التى تحكم المواقف، وما يُقال فى العلن يختلف كثيرًا عما يُدار خلف الأبواب المغلقة.
■ هناك حديث عن تحالفات إقليمية جديدة فى مواجهة بعض المشاريع الإقليمية، ما تقييمك؟
- توجد تحليلات تتحدث عن اصطفافات محتملة تضم دولًا مثل السعودية وتركيا ومصر، لكننى لا أرى حتى الآن تحالفًا مكتمل الأركان. هناك حراك سياسى وأمنى واستخباراتى واضح، خاصة فى القرن الإفريقى، لكن تحويل ذلك إلى تحالف فعلى يحتاج إلى مؤشرات عملية أقوى.
■ كيف تقيّم الدعم المصرى للملف السودانى؟.. وهل ناقشتم القاهرة بشأن التعقيدات الدبلوماسية القائمة؟
- وجود مصر فى أى إطار سياسى أمر مهم ومقدّر، ومصر من أكثر الدول التى وقفت مع السودان، والدعم المصرى يُنظر إليه باعتباره دعمًا أساسيًا لاستقرار السودان ووحدته. بطبيعة الحال، هناك تعقيدات دبلوماسية، خاصة فيما يتعلق بدور بعض الأطراف الإقليمية، لكن هذه القضايا مطروحة للنقاش مع الأشقاء فى مصر. المهم أن أى معالجة واقعية يجب أن تنطلق من فهم دقيق لطبيعة الصراع، واحترام الثوابت الوطنية السودانية.
■ هل لا تزال حكومة السودان تعانى من عزلة دولية؟
- لا، هذا توصيف لم يعد دقيقًا. السودان اليوم ليس معزولًا كما كان يُراد له، خاصة فى ظل المتغيرات الإقليمية الكبيرة، من توترات البحر الأحمر شرقًا وغربًا، إلى تعقيدات المشهد فى اليمن، وحتى الخلافات داخل التحالفات التقليدية نفسها. هذه التحولات أعادت وضع السودان فى قلب الحسابات الدولية.
■ هل ترى أن الخلافات الإقليمية والدولية تؤثر على مسار الحل فى السودان؟
- ما يجرى فى السودان لم يعد حربًا داخلية خالصة، بل يمكن وصفه بأنه صراع دولى يُدار على الأرض السودانية. المعطيات تشير إلى أن إدارة المعارك والعمليات تتم من خارج البلاد. ما يحدث فى السودان مرتبط بما يجرى فى مناطق أخرى مثل اليمن والصومال وغيرهما، ولا يمكن قراءة الأزمة بمعزل عن هذا السياق الإقليمى والدولى المعقد.
■ ألا ترى أن ما يجرى إقليميًا يمثل فرصة للسودان؟
- نعم، هى فرصة حقيقية إذا أُحسن التعامل معها. كثير من الأمور التى كانت تُدار فى الخفاء بدأت تظهر إلى العلن. كنا نعتقد سابقًا أن لدينا عدوًا وخصمًا مباشرًا للسودان فقط، لكن اتضح أن هناك مشروعًا أوسع يستهدف المنطقة كلها، والسودان جزء من هذا السياق.
وما يحدث فى الصومال، والتحركات العسكرية فى البحر الأحمر، لا يمكن فصلهما عن المشهد السودانى. الفوضى فى السودان ليست معزولة، بل مرتبطة بمخططات إقليمية تهدف إلى فتح ممرات نفوذ تمتد من الشرق إلى الغرب.
■ ما طبيعة التهديدات الأمنية التى تواجه السودان حاليًا؟
- هناك تهديدات حقيقية على الحدود الشرقية والغربية، وتحركات منظمة تستهدف مناطق بعينها. الأمر ليس عشوائيًا، بل جزء من مخطط معروف، لكن القوات المسلحة والقوات المشتركة فى حالة استعداد، وتتابع هذه التحركات عن كثب.
■ ما رأيك فى الشروط التى تطرحها الحكومة قبل الدخول فى أى تفاوض؟ وهل تراها منطقية؟
- من حيث المبدأ، لا يمكن الدخول فى أى حديث عن تفاوض دون وجود شروط واضحة. المنطق يقتضى أولًا حصر هذه المجموعات المسلحة خارج المدن، وعدم مكافأتها سياسيًا قبل تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار. هذه هى الرؤية العامة لشروط الحكومة قبل الدخول فى أى مسار تفاوضى.
لكن المشكلة الأساسية أن الطرف الآخر لا يملك أصلًا مشروعًا سياسيًا واضحًا. نحن لا نتحدث عن قوة لها برنامج سياسى أو أهداف أخلاقية يمكن النقاش حولها، بل عن ميليشيات قبلية وعنصرية، ارتكبت انتهاكات واسعة وجرائم جماعية، ودمّرت السودان بصورة غير مسبوقة، وتحالفت مع أطراف خارجية نهبت البلاد وأسهمت فى تفكيكها. من هذا المنطلق، يصبح منطق التعامل معها مختلفًا تمامًا.
■ كيف تقيّم مبادرة رئيس الوزراء السودانى كامل إدريس المطروحة دوليًا؟
- مبادرة رئيس الوزراء، فى تقديرى، خرجت من المزاج العام للشارع السودانى، وهى تعبير عن حالة عامة ورغبة شعبية فى الخروج من هذا النفق. المبادرة طُرحت فى منبر دولى، وجاءت فى مرحلتين، ولم تكن محمّلة بملاحظات جوهرية معيقة. بطبيعة الحال، أى مبادرة قابلة للنقاش والتطوير، لكن من حيث المبدأ هى انعكاس لرغبة داخلية أكثر من كونها إملاءً خارجيًا.
■ ما الأسس التى تراها ضرورية لأى مسار سياسى مقبل؟
- لدينا ثلاث ركائز أساسية لا يمكن التنازل عنها: أولًا، وحدة السودان أرضًا وشعبًا. ثانيًا، وحدة القوات المسلحة ومنع تعدد الجيوش. ثالثًا، وجود حكومة واحدة، ورفض أى سيناريوهات لتعدد السلطات أو تفكيك الدولة.
بعد ذلك تأتى المبادئ الفرعية، مثل العدالة، وعودة النازحين واللاجئين، وبدء عملية سياسية شاملة.
■ فى ظل هذا التشابك.. هل تتوقعون حلًا قريبًا أم استمرار الحرب؟
- الخروج النهائى من هذه المؤامرة ليس سهلًا، وربما ليس قريبًا. لكن الهدف الأساسى الآن هو منع الانشقاق الكامل للدولة. نحن نركز على ثلاثة ثوابت: وحدة السودان، وحدة الحكومة، ووحدة القوات المسلحة. أى ضغط دولى، مهما كان، لا يمكنه تجاوز هذه الأسس. لا الولايات المتحدة ولا أى طرف إقليمى يستطيع فرض حل يتناقض مع هذه الثوابت.
■ كيف ترى مستقبل الميليشيات والحركات المسلحة؟
- السلاح يجب أن يكون حكرًا على مؤسسة عسكرية وطنية واحدة. الميليشيات هى نتاج خلل عميق فى مؤسسات الدولة، ومعالجتها لا تكون بالتدمير، بل بالإصلاح المؤسسى، مع تحقيق العدالة والمصالحة معًا. لا عدالة بلا مصالحة، ولا مصالحة بلا عدالة.
■ ماذا عن الأحزاب السياسية والنخب التقليدية؟
- الأحزاب السياسية بصيغتها الحالية شاخت وفشلت فى تقديم حلول حقيقية. هذه الحرب، رغم قسوتها، قد تفتح المجال لظهور قوى سياسية جديدة، يقودها الشباب، بأفكار مختلفة قادرة على قيادة السودان نحو دولة حديثة وعادلة.
السلام ضرورة، لكنه لن يكون سلامًا حقيقيًا إذا لم يُبنَ على وحدة الدولة، وإصلاح المؤسسات، واحترام إرادة الشعب السودانى. أى حل يتجاوز هذه الأسس سيكون مجرد هدنة مؤقتة تؤجل الأزمة ولا تنهيها.
■ فى ظل تصاعد خطاب الكراهية والانقسامات، هل ترى خطرًا حقيقيًا على وحدة السودان؟
- نعم، هناك خطر حقيقى، وخطاب الكراهية يتصاعد بصورة مقلقة. صحيح أن بعض القبائل تُتهم زورًا أو تُحمّل مسئولية جماعية، رغم أنها ليست حواضن طبيعية للجريمة، لكن هذا الخطاب يمزق النسيج الاجتماعى. السودانيون مرّوا بهزات قاسية من قبل، لكن حجم الكراهية الحالى غير مسبوق، ويتطلب وعيًا جماعيًا لتجاوزه والحفاظ على وحدة البلاد.
■ بحكم خبرتك الطويلة فى الحرب والسلم، ما رسالتك للسودانيين، خاصة الجيل الذى يعيش الحرب لأول مرة؟
- ما حدث فى دارفور منذ عام ٢٠٠٣ كان نتيجة أفكار أيديولوجية خاطئة استخدمت القبائل كأدوات. والأيديولوجيات، فى النهاية، هى التى دمّرت الدول عبر التاريخ. المشكلة لم تكن فى القبائل بحد ذاتها، بل فى الدولة التى منحت امتيازات لمجموعات بعينها، ووضعتها فوق القانون لعقود، حتى أصبح القتل والانتهاك أمرًا طبيعيًا فى وعى بعض العناصر.
■ هل يمكن تجاوز هذا الإرث العنيف؟
- التجاوز ممكن، لكنه يحتاج إلى إصلاح عميق، وعدالة حقيقية، وعلاج نفسى واجتماعى لشرائح واسعة جرى تجريدها من القيم الإنسانية. كثيرون داخل هذه الميليشيات صُنِعوا بعناية ليكونوا أدوات تدمير، لا لبناء دولة. إعادة دمج المجتمع تتطلب مواجهة هذه الحقائق بشجاعة، دون تعميم أو تنميط، ودون تحميل جماعات بأكملها وزر جرائم ارتكبتها مجموعات محددة.
■ تُوجَّه اتهامات متكررة للإسلاميين بالسيطرة على الجيش وعرقلة أى حل سياسى، ما ردك؟
- هذا طرح تبسيطى ومضلل. الدولة السودانية لا تُدار بهذه الطريقة. نحن لا ندافع عن الإسلاميين كتيار، ولا نقبل بهيمنة أى أيديولوجيا على الدولة، لكن تحويل الأزمة إلى صراع أيديولوجى يخدم أجندات خارجية، وليس مصلحة السودان.
■ ألا تعتقد أن الإصلاح مطلوب داخل مؤسسات الدولة؟
- الإصلاح مطلوب، لكن يجب أن يكون تدريجيًا ومؤسسيًا، لا عبر شيطنة جماعية. لا يمكن تفكيك دولة كاملة تحت ذريعة محاربة الإسلاميين. هذا المنطق غير واقعى وخطير.
■ كيف تلخص موقفك فى جملة واحدة؟
- السودان لا يبحث عن عداوات، لكنه لن يقبل أن يكون ساحة لتصفية حسابات إقليمية. وحدة الدولة وخيارات الشعب السودانى خط أحمر لا يمكن تجاوزه.
هناك محاولات من «الدعم السريع» لفرض طوق على كردفان لكن يتم التصدى لها
هل تقبلون بهدن إنسانية أو مؤقتة؟
- نعم، أى هدنة- حتى لو كانت قصيرة- نراها مدخلًا لعملية سياسية كاملة. لا يمكن التعامل مع وقف إطلاق النار كإجراء منفصل، بل يجب أن يكون خطوة أولى نحو حوار وطنى دستورى شامل، بإرادة سودانية خالصة ودون إملاءات خارجية.






