متابعة ما يجرى فى العالم اليوم تشبه متابعة حلم مضطرب؛ فكل يوم يحمل أحداثًا مختلفة، لكن الأهداف الكبرى تتكرر، واللاعبون الأساسيون هم أنفسهم. وفى قلب هذا المشهد، تظل فنزويلا واحدة من أبرز ساحات الصراع الدولى، خاصة بعد الصدمة السياسية التى شهدها العالم مع بداية العام، والتى لم تهدأ أصداؤها حتى الآن.
فى أول ظهور رسمى لها بعد توليها منصب الرئيسة بالنيابة إثر إلقاء القبض على نيكولاس مادورو، أكدت نائبة الرئيس الفنزويلى ديلسى رودريجيز فى خطاب متلفز أن فنزويلا تدار من داخلها فقط، وأنها لا تخضع لأى إدارة خارجية.
جاءت تصريحاتها ردًا على تصريحات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، الذى قال إن الولايات المتحدة هى من «يقود الأمور فى فنزويلا الآن»، وأنها مستعدة لتحمل دور القيادة المباشرة، حتى لو تطلب الأمر ما سمّاه بـ«الضربة الثانية».
مع الإطاحة بمادورو، ظهرت شكوك واسعة حول إمكانية أن يكون ترامب قد أبرم اتفاقًا مع حكومته قبل سقوطه، خاصة أنه تجاهل المعارضة الفنزويلية.
العملية الأمريكية لم تنطلق فعليًا بعد، لكنها تدار بحذر وعلى مراحل. الجميع يدرك أن الصين تسيطر على جزء كبير من مناجم الذهب فى فنزويلا، وأن روسيا وإيران وكوبا تمتلك نفوذًا استراتيجيًا واسعًا على الصعيد السياسى والعسكرى والاقتصادى.
وفى هذا السياق، كشفت تقارير أن إدارة ترامب أبلغت القيادة الفنزويلية المؤقتة بأن استئناف إنتاج النفط والتعاون مع الولايات المتحدة مشروط بقطع العلاقات مع الصين وروسيا وإيران وكوبا. هذا الشرط يعكس بوضوح مشروع إعادة رسم خريطة النفوذ فى نصف الكرة الغربى بأسره.
من جهتها، اعتبرت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا أن ما يجرى فى البحر الكاريبى يشبه «القرصنة وانعدام القانون»، ودعت ترامب إلى حل الأزمة بالحوار والعقلانية بدلًا من استخدام القوة.
جاء هذا التصريح أواخر العام الماضى، وقبل حادثة سيطرة القوات الأمريكية على ناقلة نفط روسية، حيث أعلن الجانب الروسى أن القوات الأمريكية صعدت على متن ناقلة النفط «مارينيرا»، ما أدى إلى انقطاع الاتصال بها، رغم حصولها على إذن رسمى للإبحار تحت العلم الروسى منذ 24 ديسمبر.
وأكدت موسكو أنه لا يحق لأى دولة استخدام القوة ضد سفن مسجلة قانونيًا لدول أخرى، فى حين صرح وزير الدفاع الأمريكى بأن الولايات المتحدة صادرت ناقلتى نفط خاضعتين للعقوبات. ورغم ذلك، اختارت روسيا نهجًا دبلوماسيًا متزنًا يحافظ على علاقاتها الاستراتيجية وتوازنها الدقيق مع واشنطن، دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة.
من المتوقع أن تلتزم الصين نهجًا دبلوماسيًا حذرًا، مفضلة إدارة الصراع عبر الاقتصاد والضغط السياسى لتجنب تحوله إلى مواجهة واسعة. بينما تسعى روسيا إلى الموازنة بين تفادى التصعيد الكبير والحفاظ على هيبتها ومصداقيتها أمام حلفائها، لتجنب الظهور بمظهر الطرف الذى يتراجع دون ثمن.
ما يجرى فى فنزويلا جزء لا يتجزأ من الرؤية الجيوسياسية لإدارة ترامب التى تسعى إلى استعادة السيطرة على نصف الكرة الغربى، وطرد النفوذ الروسى والصينى والإيرانى من أمريكا اللاتينية، وفرض أنظمة سياسية واقتصادية تدور فى الفلك الأمريكى فى محاولة لإحياء مبدأ «أمريكا للأمريكيين» بصيغة أكثر شراسة.
وهنا يبرز السؤال الجوهرى حول ما إذا كانت فنزويلا ستتعامل بسهولة مع هذه الإملاءات أم أن البلاد تتجه نحو مواجهة طويلة ستكون كلفتها باهظة على الجميع.
ما يحدث اليوم ليس إلا نسخة حديثة من الاستعمار القديم، ولكن بدون جيوش احتلال تقليدية، بل عبر أدوات أكثر نعومة وخطورة تشمل العقوبات الاقتصادية، وخنق الأنظمة سياسيًا، والتحكم فى موارد الطاقة، وفرض «إدارات بديلة» تحت شعار الديمقراطية.
وفنزويلا اليوم ليست مجرد أزمة داخلية، بل تحولت إلى ساحة صراع دولى على النفوذ والثروات وموازين القوى، وما سيحدث فيها لن يحدد فقط مستقبلها، بل قد يرسم ملامح أمريكا اللاتينية خلال العقد القادم، وربما يؤثر فى شكل النظام العالمى نفسه.
- تقريرCNBC: بعد اعتقال ترامب لمادورو.. هل سيقوم بوتين بالأمر عينه مع زيلينسكي؟
- «بعد تهديدات ترامب».. فنزويلا تسمح باستئناف الرحلات لترحيل مهاجرين غير قانونيين من أمريكا
- ترامب وهوس الأسماء
- ذي أتلانتك: ذاكرة الأمريكيين القصيرة ستمكن ترامب من تحميل الإدارة المقبلة مسؤولية ورطة إيران
- نيويورك تايمز: فشل ترامب في القيادة يكلف أمريكا ثمنا فادحا وقمته مع شي متواضعة في طموحها





