كل عام وأقباط مصر المسيحيين بخير وسلام، بمناسبة عيد الميلاد المجيد. كلنا أقباط مصريون فى الأساس، فينا مَن بقى على دينه، وفينا من تحول للإسلام عقب دخول العرب المسلمين إلى مصر مع القائد عمرو بن العاص.. أو بعد ذلك باقتناع وإيمان، أو فى ظروف سياسية وأمنية ضاغطة. نسبة كبيرة من المصريين يبالغون فى التفاخر بأصولهم العربية، وينتحلون من أجل ذلك حكايات ووقائع وأنسابًا غالبها مزوّر ومكذوب، رغم أن انتماءنا القبطى عظيم وعريق. جدودنا صنعوا حضارات ونهضة مُعجزة ما زلنا نُباهى بها الأمم.
ولم تتوقف محاولات إشعال الفتن والمؤامرات بين عنصرى الأمة، طوال التاريخ. هناك قوى لعبت بذكاء وخبث فى هذه المنطقة، أبرز النماذج ما كان يحدث فى فترات الاستعمار الأجنبى لمصر. وفى فترات الاضمحلال السياسى، وما أكثر صوره فى مصر!، كانت تحدث حملات على أصحاب المذاهب المختلفة للحاكم، وكان المسيحيون فى مقدمة المضطهدين.
تاريخنا القديم والحديث غنىّ بصور المحن للمسيحيين.. وآخر هذه النماذج ما شهدناه من عمليات تفجير واستهداف للكنائس خلال سنوات الإرهاب اللعينة، والتى نجحت مصر فى القضاء عليه ودحره. أما داخل الأديرة والكاتدرائيات العريقة فلديهم تاريخ موثق ودقيق لهذه الرحلة مع الاضطهاد والمقاومة والصبر. يمرون عليها بنعومة وهدوء، وكأنها أحد طقوس الإيمان وتثبيت العقيدة.
الفترة الحالية، فى نظرى، تشهد أفضل صور المواطنة والوحدة الوطنية. القيادة العليا لديها إيمان عميق بذلك. لم تترك الفرصة لأى حادث، كبير أو صغير، لأن ينمو ويتمدد.. ثم تستغله قوى دخيلة أجنبية أو محلية. هناك تنسيق دائم مع الكنائس الكبرى، وعلى رأسها الكاتدرائية المرقسية، وكذلك بقية الطوائف التابعة للكنائس الكاثوليكية أو الإنجيلية.
هناك تحسن ملحوظ فى مشاركة المسيحيين المصريين السياسية، أقصد بذلك تمثيلهم فى البرلمان بمجلسيه، النواب والشيوخ. الدستور يضمن ذلك. وهناك دائمًا فى التشكيلات الحكومية محافظون ووزراء مسيحيون.. وقيادات فى الجامعات والمناصب القيادية العليا. ومع ذلك فإن الصورة ليست مثالية تمامًا. هناك مناطق ووظائف لا تزال تحتاج لخطوات تصحيحية بشأن الوجود المسيحى بها، وأعتقد أنها ستتحقق فى القريب العاجل، لكن الأمر يحتاج لمزيد من الصراحة والشفافية، بشرط المناقشة العاقلة الهادئة.
ومن الأمور التى أعجز عن فهم مبرراتها فى ٢٠٢٦ هو عدم وجود إحصاء رسمى معلن لعدد المسيحيين فى مصر. سألت سياسيًا سابقًا قريبًا من الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء عن السر وراء ذلك، فقال لى إن استمارة التعداد الرسمية لا تتضمن خانة عن الديانة، وإن الغرض من وراء ذلك هو تكريس المواطنة. لم أقتنع بالإجابة، لأنه ذكر لى مرة أخرى أن الأرقام موجودة ومحددة بدقة ولا يعلمها إلا اثنان أو ثلاثة!.
وأنا أستغرب هذا الأمر لعدة أسباب، أبرزها أن غياب الشفافية عن البيانات الدقيقة يصنع نوعًا من الشائعات والتأويلات عن المسألة. كلنا نعلم أن الكاتدرائية المرقسية لديها إحصاءات دقيقة عن الأقباط، ولكن لا تعلنها احترامًا وتماشيًا مع الموقف الرسمى.
قرأت مثل هذه التصريحات أكثر من مرة على ألسنة قيادات قبطية. أنظر للمسألة من باب عملى. الإحصاءات الحديثة دليل على رُقىّ الأمم وتحضرها. كل الدول لديها حصر شامل عن هوية سكانها وانتماءاتهم وأصولهم، وذلك لتسهيل تقديم الخدمات والمصالح النوعية لكل فئة بدون إفراط أو تقصير.
فى المقابل، لدينا جهاز إحصاء عصرى، نجح فى ترسيخ هويته واستقلاله، حتى عن الجهاز الحكومى التابع له، منذ تأسس عام ١٩٦٤، كثيرًا ما نشر بيانات صادمة ومغايرة لتوجهات الحكومة عن نسب التضخم والبطالة والأمية، وغيرها من المجالات، لكن تغيب عنه الشفافية فيما يتعلق بأعداد المسيحيين!.
وأنا لا أعتقد أن نسبة المسيحيين تقل عن ١٠٪ من الشعب، ولا أميل إلى أنهم أقل من ذلك كما يروج البعض استنادًا لإحصاءات رسمية قديمة.
وفى نهاية مقالى، أتمنى فى العام الميلادى الجديد تحريك هذا المشروع الحيوى، ليس لأقباط مصر فقط ولكن للمسيحيين فى العالم كله.. وللاقتصاد المصرى فى الأساس. وأقصد بذلك مشروع مسار العائلة المقدسة فى مصر. تحمست الحكومة والكنائس المصرية للفكرة، وباركها بابا الفاتيكان الراحل، البابا فرنسيس، فى أبريل ٢٠١٧، خلال زيارته لمصر، لكن الحماس تراجع، رغم أن هناك جهودًا بُذلت على أرض المسار.. وهناك أموال بالمليارات قد أُنفقت بالفعل. أتمنى أن يتدخل السيد الرئيس بنفسه، ويجمع الأطراف المسئولة، مثلما يفعل مع باقى المشروعات القومية.. ويحاسبهم على ما تحقق، وكذلك العوائق التى تقف أمامهم.
لقد سبقتنا دول فى المنطقة، رغم أن مصر أكثر أهمية فيما يتعلق بعراقة المسار وطوله وأهميته.
كل عام ومصر، بمسيحييها ومسلميها، بخير.
وأتمنى مزيدًا من الاستقرار والمحبة بين الجميع.

















0 تعليق