ليست هذه الرسائل التي بين أيدينا بمثابة وثائق شخصية فحسب، بل هي يوميات فكرية لناقد مصري في طور التكوين، يكتب من داخل معركة الثقافة، لا من هامشها. في هذه المكاتبات بين غالي شكري والكاتب والمفكر نقولا يوسف، تتكشف شبكة العلاقات التي صنعت المشهد الثقافي المصري في الخمسينيات والستينيات: البريد، الصحافة، الندوات، الكتب المفقودة، والقلق الوجودي للكاتب.
ففى رسالتها الأولي المؤرخة (1956) تكشف ناقدًا مأزومًا أمام “جبار الفن”، محاصرًا بالدوامة والهموم، لكنه لا يزال يرى في الكتاب والمعرفة خلاصًا.
وفي الرسالة 1959 تُظهره في قلب بيروقراطية الدولة والبريد والرقابة، حيث يتحول الكتاب إلى قضية “علمية وتاريخية”.
أما رسائل 1965 فتمثل غالي شكري وقد صار ناقدًا معروفًا، منشغلًا بمشروعه عن النقد الأدبي المصري، وبإرث سلامة موسى وعبد الرحمن شكري.
وفي رسالته الطويلة المتأخرة، نقرأ شكري وقد بلغ ذروة انفعاله الإنساني والفكري، وهو يكتب عن نقولا الإنسان كما يكتب عن نقولا الكاتب، وعن المعرفة بوصفها أخلاقًا.
هنا، لا نقرأ مراسلات خاصة، بل نقرأ سيرة العقل المصري في زمن الثقافة الورقية.
الرسالة الأولى
24 مايو 1956
أخي الكاتب الإنسان الأستاذ نقولا يوسف
أطيب أمنياتي، وبعد،
لست أجد يا صديقي ما أعتذر به عن تقصيري إزاء كرمك في السؤال المستمر علي. إنها الدوامة يا سيدي… الدوامة القاسية العنيفة التي لا ترحم. ولقد سبق وأن أخبرتك بأن أشياء سيئة تحوطني هذه الأيام، غير أني لا أجد مبررًا لذكرها الآن حتى لا أضيف همومي ومتاعبي إلى همومك ومتاعبك.
والآن كيف أنت؟ كيف حالك، والأدب معك؟
آه يا سيدي من هذا الجبار العاتي، هذا العملاق الضخم الذي لا يُقهر: هذا الشيء الذي يسمونه “الفن”.
ابنتك العزيزة كيتي كيف هي ودراستها؟ أرجو أن تكون الأسرة جميعًا في أتم صحة وهناء.
كم أتمنى أن أراك في القريب.
هذا وإن وافقك أن من الممكن قفل كتاب “جيوبنا”، إذا لم تكن قد وجدته بعد في مكتبتك، فيمكنك نيابة عني أن تطبعه على آلة كاتبة وتخبرنا بالثمن فورًا، ولكنني مثل الإنجليز في هذه الموضوعات!
إنني في حاجة ماسّة إلى هذا الكتاب يا أستاذ نقولا لقيمته التاريخية، وإني شديد الثقة بأنك ستقدر رجائي.
من هنا رؤوف سلامة ووالدته، وزوجتي وابنتي إلهام، الجميع بخير يهدونكم أطيب السلام.
المخلص
غالي شكري
14 سبتمبر 1959
"عزيزي الكاتب والفنان نقولا، أطيب أمنياتي وبعد،وصلتني الأسبوع الماضي رسالة مسجلة من مدير مكتب بريد شبرا يطلب فيها رأيي في موضوع سرقة الكتب، وقد كتبت له أنني تسلمت كتابًا صغيرًا واحدًا في ورقة مفتوحة من الجانبين، وأن كانت الدوبارة ملفوفة جيدًا ومحزومة بعناية.
ولقد زرت مدير بريد حدائق شبرا في مكتبه وأوضحت له الأمر كما حدث تمامًا، وأفهمني أن سيادتك كتبت أيضًا إلى مكتب سيدي جابر. وحين سألني عن قيمة الكتب المادية، أفهمته أن قيمتها تكمن في الناحيتين: العلمية والتاريخية.
هذا ولم تصلني منك أية رسالة ردًا على خطاب الأخير، أرجو أن تكتب لي.
مع تحياتي الصادقة إلى السيدة قرينتك والآنسة ابنتك، وأعرفك أن زوجتي نادية رزقت هذا الأسبوع بمولودة جميلة أسميتها “إلهام” تيمّنًا بروايتك التي لم تصلني بعد".
المخلص
غالي شكري
8/4/1965
30أكتوبر 1959
الكاتب الإنسان الأستاذ نقولا يوسف
أطيب أمنياتي وبعد،لشدّ ما سرني زيارتك المفاجئة للقاهرة، ولشدّ ما آلمني قصرها… ولكن هذه هي الحياة يا صديقي، لا تحقق كل ما نشتهيه من رغائب وأمنيات.
ذهبت بنفسي إلى جريدة الأهرام، حيث لم أجد الأستاذ الملاخ، فتركت له نسخة في الاستعلامات. لم يحضر الأستاذ باكثير ندوة الأوبرا الأسبوع الماضي، أرجو أن يحضر اليوم، فنسخته معي الآن (أنا أكتب لك من كازينو).
أرجو ألا تنسَ في رسالتك القادمة:
رقم عدد مجلة “الجديد” الذي يوجد به مقال عزمي الدويري عن سلامة موسى،
أخبار بحثك عن “جيوبنا”،
معلوماتك ومعاونتك بشأن أبحاثي النقدية عن: نقولا الحداد – فرح أنطون – أمين الريحاني، ولا تبخل علي بما في ذاكرتك من أسماء أخرى كان لها الأثر العظيم في تاريخ ثقافتنا.
سلامنا إلى السيدة قرينتك والآنسة كيتي.
ملحوظة: لم يحضر الأستاذ باكثير.
31يناير 1965
الكاتب الإنسان الأستاذ نقولا يوسف
بعد التحية،لست أرى عذرًا واحدًا في تأخري في الكتابة لك، مادام المسيح يقول: “أنت بلا عذر أيها الإنسان”. ومع ذلك فإني أعتذر يا سيدي.
أرجو أن تكون بخير أنت وأفراد العائلة الكريمة، كما أرجو أن يكون الأدب قد نجح في اغتصابك من التربية والتعليم.
الجميع هنا يذكرونك بكل ما يحتويه القاموس الإنساني من كلمات النبل.
أما أخباري فكثيرة، بعضها سار وبعضها الآخر قد يؤلمك، لذلك أقترح تأجيلها إلى أن نلتقي.
أرجو أن يكون قد أسعدنا الحظ بأن تكون قد استمعت إلى برنامج “سلامة موسى” الذي أذيع خلال الشهر الماضي، فإن لم يكن قد حدث فإني أكون أكثر سعادة لو تفضلت بسماعه هذه الأيام، حيث يُعاد إذاعته يوم الجمعة 5/2/1959 الساعة 10:50 مساءً بالبرنامج الثقافي.
ثم إنني في انتظار رأيك، هل تتكرم يا أستاذ نقولا وتكتب لي؟ أرجوك.
المخلص
غالي شكري
27نوفمبر 1965
غالي شكري
31 شارع محمد الحلبي، أرض شريف، شبرا – القاهرة
الصديق العزيز نقولا يوسف
أطيب أمنياتي وبعد،
قد شاقني أن أكتب لك بعد أن طال بيننا البعاد، ولم تصلني منك أية رسالة بالرغم من أنني كتبت لك مرارًا. كيف حال الإسكندرية؟ ألا تزور القاهرة أبدًا؟
لا شك أن كيتي وزوجها بخير وفي أسعد لحظات العمر.
تحياتي لجميع الأصدقاء والثغر الجميل، خاصة حسن فتحي خليل، وأدوار، والزملاء الشعراء جميعًا.
كذلك أرجو ألا تنسى أن تهدي تحياتي إلى الصديق الأستاذ جابر القماح، والآنسة كاتو.
سلامي لكم أيها الأصدقاء، وسلامي إلى اللحظات الرائعة التي قضيناها.
المخلص
غالي شكري
رسالة وجدانية مطوّلة (بلا تاريخ)
الكاتب الإنسان الأستاذ نقولا يوسف،بماذا أدعوك أيها الإنسان الكبير؟ لقد غلب نبلك على وجداني، فعدت لا أستطيع أن أعبر بالكلمات عما أحسه نحوك من إجلال وحب.
إنني حين انتهيت من دراستي لكتبك، وبعد أن كتبت مقالًا بالفعل، أحسست أنني لم أفعل شيئًا. لقد كتبت عن نقولا الفنان، ولم أتحدث عن نقولا الإنسان. وهل يمكن أن نفصل بينهما؟ لا أعتقد يا أستاذي.
أنت وحدة واحدة لا تتجزأ، وما أعظمها من وحدة.
ليتني أستطيع أن أقدم شيئًا من أجل هذه الشعلة المتوهجة في أعماقك، هذه الشعلة التي تضيء لجيلنا المتوثب الطريق وسط جحافل الظلام.
يمكنني أن أفخر بأني عثرت على نسخة من “مواكب الناس” و“الحياة الجديدة” على سور الأزبكية، فأهديتها إلى صديق عزيز ليملأ وعيه التاريخ المقدس الذي يشع من قلمك.
صدقت يا سيدي حين أخبرتني بأسرار ترددك عن حياتنا الأدبية، إذ يبدو أن الخفافيش لا يعنيها أن ترى بصيصًا من النور.
أما “جيوبنا” وجيوب الأجانب، فهو أهم ما يعنيني، لأنه مفتاح معنى “المصرية” الذي جاء به سلامة موسى.
أرجوك يا أخي أن تساعدني، ولكن لا ترسله بالبريد… لقد صرت عندي عقدة منه. أريده نسختين: واحدة لي، وأخرى لزوجتي في دمشق لتخرجها في برنامج إذاعي.
سلامًا أيها الإنسان الذي عرفت فيه حق الإنسان.
المخلص
غالي شكري












0 تعليق