في تطور جديد يفتح بابًا مثيرًا أمام استخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير الأدوية، كشفت دراسة حديثة عن نتائج واعدة لدواء جرى تطويره بمساعدة تقنيات الذكاء الاصطناعي، بعدما أظهرت بيانات تجربة سريرية إمكانية ارتباطه بانخفاض العمر البيولوجي للمرضى بما يصل إلى 6 سنوات خلال أسابيع قليلة.
ونُشرت الدراسة في دورية Nature Biotechnology، وركزت على دواء Rentosertib، الذي طورته شركة Insilico Medicine في الأساس لعلاج أحد أمراض الرئة المزمنة، قبل أن تكشف تحليلات بيانات التجارب السريرية عن تأثيرات محتملة مرتبطة بعلامات الشيخوخة البيولوجية.
تجربة سريرية تكشف مفاجأة بشأن الشيخوخة
جاءت النتائج من تجربة سريرية من المرحلة الثانية (Phase IIa) أُجريت في الصين خلال عامي 2023 و2024، وشملت تحليلات الشيخوخة البيولوجية 42 مشاركًا.
واستخدم الباحثون 6 أدوات مختلفة تُعرف باسم «ساعات الشيخوخة»، طورتها مجموعات بحثية مستقلة، من بينها فرق من Insilico Medicine وجامعة هارفارد وجامعة بكين.
وتعمل هذه الساعات على تقدير العمر البيولوجي للإنسان، وهو مقياس يختلف عن العمر الزمني، إذ يعتمد على مؤشرات مرتبطة بحالة الخلايا والأنسجة والأعضاء، إلى جانب التغيرات الكيميائية والبروتينية داخل الجسم.
انخفاض العمر البيولوجي بعد 4 أسابيع
أظهرت البيانات، بحسب الشركة، أن المرضى الذين تلقوا دواء Rentosertib سجلوا انخفاضًا في العمر البيولوجي المتوقع عبر ساعات الشيخوخة الست، بينما لم تشهد المجموعة التي حصلت على دواء وهمي تغيرًا كبيرًا، أو ظل عمرها البيولوجي ثابتًا أو ارتفع لدى بعض المشاركين.
وأوضحت النتائج أن التأثير الأقوى ظهر في مرحلة مبكرة من التجربة، إذ قالت الشركة إن المرضى الذين تلقوا الدواء شهدوا بعد 4 أسابيع من الجرعة الأولى انخفاضًا متوسطًا في العمر البيولوجي وصل إلى نحو 6 سنوات وفق إحدى ساعات الشيخوخة.
وبحسب الجرعات، سجلت مجموعة المرضى التي تلقت 30 ملجم مرتين يوميًا انخفاضًا يتراوح بين نحو 3 و4 سنوات في معظم الساعات، بينما أظهر تحليل منفصل لمجموعة تلقت 60 ملجم مرة واحدة يوميًا انخفاضًا تراوح بين 2.7 و3.5 سنة خلال الأسبوع الرابع وفق أربع من ساعات الشيخوخة المستخدمة في الدراسة.
ما الفرق بين العمر البيولوجي والعمر الحقيقي؟
لا يعني انخفاض «العمر البيولوجي» أن عمر الشخص الفعلي تراجع بالفعل عدة سنوات، وإنما يشير إلى تغير في مؤشرات تستخدم لتقدير حالة الجسم مقارنة بما هو متوقع بالنسبة للعمر الزمني.
وتعتمد ساعات الشيخوخة المستخدمة في الأبحاث على تحليل مجموعة من المؤشرات البيولوجية، من بينها البروتينات والتغيرات الكيميائية، بهدف تقدير مدى تقدم عمليات الشيخوخة داخل الجسم.
ولهذا السبب، فإن نتائج الدراسة لا تعني حتى الآن أن الدواء قادر على إطالة عمر الإنسان أو إيقاف الشيخوخة بشكل نهائي.
كيف ساعد الذكاء الاصطناعي في تطوير الدواء؟
تعود قصة Rentosertib إلى جهود شركة Insilico Medicine في استخدام الذكاء الاصطناعي لتسريع عملية اكتشاف الأدوية.
واعتمدت الشركة على أنظمة ذكاء اصطناعي لتحليل كميات ضخمة من البيانات، شملت سجلات صحية ونتائج فحوصات الدم وأبحاثًا علمية، بهدف تحديد البروتينات المرتبطة بالأمراض.
بعد ذلك، استخدمت أنظمة أخرى لتحليل أشكال البروتينات وطريقة ارتباطها بالجزيئات المختلفة، وهو ما ساعد الباحثين على تصميم جزيئات دوائية جديدة، ومن بينها Rentosertib
هل أصبح لدينا دواء لمكافحة الشيخوخة؟
رغم النتائج اللافتة، فإن الإجابة لا تزال لا.
فحتى الآن لم تختبر الشركة تأثير Rentosertib المضاد للشيخوخة على أشخاص أصحاء، كما أن الدواء لا يزال بعيدًا عن الحصول على الموافقات التنظيمية اللازمة، حتى بالنسبة لاستخدامه في علاج المرضى الذين يعانون من الأمراض المستهدفة.
كما أن عدد المشاركين في تحليل الشيخوخة كان محدودًا، وتحتاج النتائج إلى دراسات أكبر وعلى فترات زمنية أطول لمعرفة ما إذا كان انخفاض العمر البيولوجي الذي ظهر في المؤشرات يرتبط بالفعل بتحسن طويل المدى في الصحة أو زيادة متوسط العمر.
الذكاء الاصطناعي يدخل سباق اكتشاف الأدوية
وتأتي هذه النتائج في ظل توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة الأدوية، بعدما أصبح الباحثون يعتمدون على تقنيات تحليل البيانات والنمذجة الحاسوبية لتحديد أهداف دوائية محتملة وتصميم مركبات جديدة خلال فترات أقصر.
ويعكس دواء Rentosertib هذا التحول، إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي مقتصرًا على تحليل البيانات الطبية، بل أصبح جزءًا من مراحل البحث عن جزيئات دوائية جديدة وتطويرها.
ومع ذلك، تظل النتائج الحالية مبكرة، ولا تكفي لإثبات أن الدواء قادر على إبطاء الشيخوخة لدى البشر أو إطالة العمر، وهو ما يتطلب تجارب سريرية أكبر ومتابعة طويلة المدى قبل الوصول إلى أي استنتاج نهائي.











0 تعليق