في وقت تتعاظم فيه الأزمات الاقتصادية والجيوسياسية عالمياً، كشفت الحكومة الكندية عن استراتيجية طموحة وغير مسبوقة لإعادة صياغة مستقبل الطاقة في البلاد، خطة لا تستهدف فقط تأمين احتياجات المستقبل بل تسعى بشكل مباشر إلى تخفيف الأعباء المالية عن كاهل المواطنين، في خطوة وصفها الخبراء بأنها تحول جذري في الفلسفة الاقتصادية والبيئية للدولة الإقليمية الكبرى.
أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن ملامح هذه الاستراتيجية الوطنية الشاملة للكهرباء النظيفة، مؤكداً أن الهدف الأساسي يكمن في مضاعفة حجم الشبكة الكهربائية في كندا بحلول عام 2050، مع العمل بالتوازي على خفض تكاليف الطاقة لغالبية الأسر الكندية، وتأتي هذه التحركات في ظل تحديات جسيمة تواجهها كندا على رأسها الرسوم الجمركية المفروضة من قبل الولايات المتحدة، وارتفاع أسعار الطاقة الناتج عن التوترات المستمرة، فضلاً عن التداعيات المتسارعة للتغير المناخي التي لم تعد تحتمل التأجيل.
ركائز التحول الاقتصادي وهيكلة الشبكة الجديدة
أوضح رئيس الوزراء خلال مؤتمر صحفي عقده في العاصمة أوتاوا أن الطريق نحو تحقيق الوفرة المالية والقدرة التنافسية يمر حتماً عبر تعميم الاعتماد على الطاقة الكهربائية، مشيراً إلى أن الوصول إلى صافي انبعاثات صفري يتطلب رؤية واقعية وجديدة، وتتضمن الاستراتيجية المبتكرة لوائح تسمح للغاز الطبيعي بلعب دور أكبر في بناء الشبكة وتأمين استقرارها، وهي عملية ضخمة تقدر تكاليف إنشائها بأكثر من تريليون دولار كندي، مما يعكس حجم الالتزام الحكومي بالتحول البنيوي الشامل.
وتعتمد الخطة الجديدة على بناء شراكات متينة مع الشعوب الأصيلة في كندا، بالإضافة إلى إبداء مرونة واسعة في تنويع مصادر الطاقة المستخدمة، حيث لن تقتصر الشبكة على مصدر واحد بل ستدمج بين الطاقة المائية، والطاقة النووية، وطاقة الرياح، والطاقة الشمسية، إلى جانب الاستخدام المدروس للغاز الطبيعي، وتقنيات احتجاز الكربون، وطاقة الحرارة الجوفية، وهو مزيج معقد يتطلب جهداً استثنائياً لتنسيقه وتطويره ضمن جدول زمني قصير ومحدد تفرضه التغيرات العالمية المتسارعة.
الفارق الجوهري والآثار الاقتصادية والعمالية
تشير التوقعات الحكومية الرسمية إلى أن هذا التوسع الهائل في البنية التحتية سيتطلب توظيف نحو مئة وثلاثين ألف عامل جديد، مما يشكل دفعة قوية لسوق العمل المحتلي، وتمثل هذه الاستراتيجية تحولاً واهتزازاً في مسار اللوائح السابقة التي وضعتها الحكومة الليبرالية السابقة، والتي كانت تركز بشكل صارم على فرض قيود مشددة على انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من محطات الوقود الأحفوري، حيث تبتعد الرؤية الحالية عن سياسات المنع والحظر المطلق باتجاه نهج أكثر عملياً وتنوعاً.
وعلى الرغم من أن قطاع الكهرباء يمثل حالياً نحو سبعة بالمئة فقط من إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة في كندا، وهي نسبة انخفضت بشكل ملحوظ خلال الأعوام الماضية نتيجة التخلص التدريجي من الفحم، فإن الاستراتيجية الجديدة لم تحدد بدقة المبالغ المالية المباشرة التي ستنفقها الحكومة، لكنها ركزت على تقديم ائتمانات ضريبية وإعادة برامج تجديد المنازل لتوفير الطاقة والتي تستهدف حوالي مليون وحدة سكنية، مما يساعد المواطن على تلمس التغيير في فاتورته الشهرية بشكل ملموس.
ورحب معهد المناخ الكندي بهذه الخطوات معتبراً إياها إشارة في الاتجاه الصحيح، لكنه نبه في الوقت ذاته إلى وجود بعض الغموض والنقاط الغائبة التي تتطلب توضيحاً، مؤكداً أن النجاح الحقيقي للاستراتيجية سيعتمد في النهاية على التفاصيل التطبيقية الدقيقة وسرعة تنفيذ الحكومة لخطط توسيع توليد الطاقة النظيفة ونقلها وتعميمها.















0 تعليق