دور الأزهر في بناء الهوية الوطنية وتعزيز الأمن القومي

منذ 45 دقيقة

انعقد بمدينة الإسكندرية مؤتمر: الهوية الوطنية: جذور راسخة ورؤية متجددة، في الفترة من 21 إلى 23 سبتمبر 2026 م، والذي نظمته مكتبة الإسكندرية بالتعاون مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ووزارة الشباب والرياضة، ووزارة الثقافة، ومحافظة الإسكندرية، برعاية فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، وكان من أبرز مخرجات المؤتمر إطلاق وثيقة الإسكندرية للهوية الوطنية.


والملاحظة الجديرة بالتوقف أن هذا المؤتمر رغم كونه منصة حوارية حول الهوية، لم يُصنَّف كفعالية ثقافية أو ندوة أكاديمية، بل إنه ركيزة أساسية وناقوس خطر يدق لضرورة تكاتف الجهود المؤسسية للحفاظ على الهوية.


وفي هذا التحوّل، تكتسب مشاركة الأزهر الشريف دلالة خاصة، فقد مثّل الأزهر في المؤتمر الأستاذ الدكتور محمود الصديق، رئيس جامعة الأزهر، نيابةً عن فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتورأحمد الطيب، شيخ الأزهر، حيث شارك في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر، ثم في الجلسة العلمية الثالثة: المؤسسات وسياسات تشكيل الهوية، وألقى كلمة سيادته رئيسة في الجلسة، بينت دور الأزهر الشريف في الحفاظ على الهوية الوطنية.


إن دور الأزهر في الحفاظ على الهوية ينطلق من الدستور المصري والذي جعل الأزهر الشريف في مقدمة مقومات المجتمع المصري، كما ورد في الباب الثاني من دستور جمهورية مصر العربية لسنة 2014 والمعدل في 2019م، وجاء فيه أن: الأزهر الشريف هيئة إسلامية علمية مستقلة، يختص دون غيره بالقيام على كافة شئونه، وهو المرجع الأساسي في العلوم الدينية والشئون الإسلامية، ويتولى مسئولية الدعوة ونشر علوم الدين واللغة العربية في مصر والعالم.


ونصت المادة الثانية من القانون رقم 103 لسنة 1961 بشأن إعادة تنظيم الأزهر والهيئات التي يشملها: الأزهر هو الهيئة العلمية الإسلامية الكبرى التي تقوم على حفظ التراث الإسلامي ودراسته وتجليته ونشره، وتحمل أمانة الرسالة الإسلامية إلى كل الشعوب، وتعمل على إظهار حقيقة الإسلام وأثره في تقدم البشر ورقى الحضارة وكفالة الأمن والطمأنينة وراحة النفس لكل الناس في الدنيا وفي الآخرة..


وهنا تستوقفني عدة أسئلة عن المؤتمر: لماذا اختير هذا التوقيت لانعقاد المؤتمر؟ ولماذا تشكّل مشاركة الأزهر حلقة لا يمكن الاستغناء عنها في بناء الهوية؟ وماذا يعني هذا المسار بالنسبة للأمن القومي المصري؟


أولًا: أهمية التوقيت:
لفهم دلالة مشاركة الأزهر في المؤتمر؛ يلزم أولًا فهم منطق اختيار توقيته، فقد استمر التحضير له أكثر من عام، غير أن جدول أعماله النهائي وجّه أنظاره مباشرة إلى أشد الضغوط البنيوية إلحاحًا.


1- نظرًا لما تمر به المنطقة العربية والإسلامية من حرب على الهوية الوطنية والدينية، وما يتعرض له الجيل الناشئ من ممارسات حروب الإدراك والحروب المعرفية، والتعرض لمحتوى متضارب عبر مواقع التواصل، وما تمثله الثورة الرقمية من مخاطر انفصال هوية الشباب فكان لا بد من وقفة لمناقشة الهوية الوطنية.


2-  الضغط الجيوسياسي والتنافس الإقليمي على الهوية والذي يشكّل الخلفية الثانية، فقد وصف المشاركون المرحلة الراهنة بأنها فترة «تسارع المتغيرات الإقليمية والدولية وتشابك التحديات وتقاطع التوجهات الاستراتيجية». 


3-  البنية الديموغرافية الشبابية وإلحاحها، فمصر بلد شاب، والشباب هم المستقبل وقاعدة بناء هذا المستقبل، وقد حضر المؤتمر 450 شابًا وفتاة من 27 محافظة، يمثلون طلاب المدارس والجامعات والاتحادات الشبابية والكشافة ونماذج المحاكاة البرلمانية، وتنطوي هذه الترتيبات على رسالة واضحة: أن يكون الشباب «شركاء حقيقيين» في الحفاظ على الهوية، وحمل رايتها، غير أن هذا يعني أيضًا أن الدولة إن لم تنجح في إيصال الولاء والانتماء والهوية إلى الشباب بفعالية، فستجد قوى أخرى من يملأ هذا الفراغ.


ومن ثم لم يعد التعامل مع قضية الهوية ممكنًا بأسلوب تقليدي أو ندوة تعريفية بل يستلزم تعبئة وطنية منهجية ومؤسسية، ومن هنا يصبح دور الأزهر في هذه التعبئة أكثر وضوحًا.


ثانيًا: الموقع البنيوي للأزهر الشريف:
تجدر الملاحظة الدقيقة لمشاركة الأزهر في هذا المؤتمر، فقد أولى الأزهر المؤتمر عناية خاصة،  وألقى الدكتور محمود صديق، رئيس جامعة الأزهر كلمة رئيسة جوهرية في الجلسة العلمية الثالثة تحت عنوان: «المؤسسات وسياسات تشكيل الهوية»، وقد وُضعت مشاركة الأزهر بوضوح ضمن إطار المؤسسات، بحيث يُعرَّف دوره كقوة مؤسسية لتشكيل الهوية، لا مجرد حضور رمزي لسلطة دينية.. 

 

ويكشف هذا التوصيف عن موقع بنيوي فريد للأزهر في بناء الهوية المصرية، فالأزهر في آنٍ واحد مؤسسة دينية، ومؤسسة تعليمية، ومؤسسة وطنية ممتدة في تاريخ الهوية المصرية والعربية، وهذه الخصائص المتعددة تجعله قادرًا على أداء وظيفة الحفاظ على الهوية والذود عنها.


فالأزهر يمثل في تثبيت الهوية بعدا دينيا: وقد أكد رئيس جامعة الأزهر أهمية المؤسسات التعليمية والدينية والأسرة في الحفاظ على النسيج الوطني، مشيرًا إلى أن الأزهر الشريف مؤسسة دينية وطنية تؤمن بالتعدد والتنوع وثقافة الاختلاف، مستشهدًا بآيات القرآن الكريم التي تساوي بين الناس إنسانيًّا بعيدًا عن اختلاف الدين واللغة والجنس.. 

كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.، مؤكدًا أن التنوع قدر إلهي، وتكمن البراعة الاستراتيجية لهذا الطرح في تحويله التعايش المتعدد إلى مطلب شرعي.


ويؤدي الأزهر بما يمثله من خط الوسطية والاعتدال، وظيفة توفير الغطاء الشرعي لـ الهوية الوطنية الجامعة، والأهم من ذلك أن استمرارية الأزهر التاريخية هي خير شاهد على حفاظه على الهوية، وقد لفت رئيس الجامعة إلى أن الأخوة الإنسانية هي رسالة يحملها الأزهر الشريف على مدار حقبه التاريخية، ضاربًا المثل بالشيخ المراغي الذي كتب بحثًا عرضه في إنجلترا عن الزمالة الإنسانية.. 

كما كان لفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب الفضل في فكرة إنشاء بيت العائلة المصري؛ لتعزيز الوحدة الوطنية، وترسيخ قيم المواطنة والتعايش المشترك بين أبناء المجتمع المصري من علماء الأزهر ورجال الكنائس المصرية، وكذا توقيعه وثيقة الأخوة الإنسانية مع البابا فرنسيس. كما أن للأزهر بعدًا آخر في ترسيخ الهوية من خلال البُعد التعليمي وبناء الحصانة المعرفية..


ثالثًا: تأمين الهوية وبناء نظام حوكمة لأمن الهوية، ويتمثل هذا في الآتي:
1-  أدرج المؤتمر أمن الهوية في إطار الأمن القوم.
2-  صمّم المؤتمر مسارًا مؤسسيًا للانطلاق إلى الحفاظ على الهوية من خلال وثيقة الإسكندرية.
3-  بنى المؤتمر إطارًا تنسيقيًا عابرًا للمؤسسات. 


وفي الختام: إذا نظرنا إلى مشاركة الأزهر في هذا المؤتمر في سياق تاريخي أوسع، نكتشف استمرارية لدور الأزهر في الحفاظ على الهوية،  فقد أدى الأزهر، في لحظات مفصلية متعددة من بناء الدولة المصرية الحديثة، دور المؤسسة المحافظة والمدافعة عن الهوية.. 

وأن الأزهر الشريف ضرب أروع الأمثلة في الحفاظ على النسيج الوطني، والمقوم الاجتماعي، مثل مشروع بيت العائلة المصرية، وتوقيع «وثيقة الأخوّة الإنسانية» عام 2019، والحفاظ على الهوية من خلال مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية ومرصد الأزهر الذي يدافع عن القضايا الفكرية والدينية المثارة على الساحة، والتصدي للشائعات وغارات حروب الإدراك، والحفاظ على القضية الفلسطينية.

إن عنوان المؤتمر «...جذور راسخة ورؤية متجددة» هو في ذاته استعارة دقيقة لتثبيت الهوية التي يحمل الأزهر رايتها، فثبات الجذور يستلزم صيانة مؤسسية، وتجدد الرؤية يستلزم انفتاحًا مؤسسيا فالهوية هي السمة الكلية للمجتمع، تعكس روحه ووجدانه الجمعي وقيمه المشتركة وذاكرته الوطنية، ودور الأزهر هو أحد ضمانات الحفاظ على الهوية الوطنية والدينية والعربية، بما يعزز الأمن القومي المصري والعربي.  

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق