لم تعد حماية التراث في دار الكتب والوثائق القومية تعني الاكتفاء بحفظ الكتب والمخطوطات والخرائط والصور التاريخية داخل خزائنها، فمع التطور التكنولوجي انتقلت الدار إلى مرحلة جديدة تعتمد على الرقمنة باعتبارها إحدى الوسائل الأساسية لحماية المقتنيات وإتاحتها أمام الباحثين والجمهور.
وتعود تجربة دار الكتب في مجال المسح الرقمي إلى عام 2006، عندما افتُتح معمل المسح الرقمي بالتعاون مع مكتبة الكونجرس الأمريكية، بهدف رقمنة أندر المقتنيات التراثية، ومن بينها المخطوطات وأوائل الدوريات والمطبوعات، وإتاحتها للباحثين في صورة رقمية. وأسهم المشروع في رقمنة 60 مخطوطة من مقتنيات دار الكتب، إلى جانب 60 مخطوطة من مكتبة الكونجرس، ليصل الإجمالي إلى 120 مخطوطة أتيحت رقميًا ضمن مشروعات المكتبة الرقمية العالمية.
من الأصل الورقي إلى النسخة الرقمية
لم تأتِ الرقمنة باعتبارها مجرد تحويل الكتاب من الورق إلى ملف إلكتروني، وإنما أصبحت جزءًا من منظومة الحفاظ على المقتنيات التراثية؛ فالنسخة الرقمية تقلل الحاجة إلى تداول الأصل، وهو ما يساعد في حمايته من التلف، كما توفر المادة العلمية للباحث عبر أكثر من وسيلة، بما في ذلك أجهزة الكمبيوتر والإنترنت والهواتف المحمولة.
وفي نوفمبر 2015 افتتحت دار الكتب «القاعة الرقمية»، التي أصبحت منصة للاطلاع الإلكتروني على جانب من محتويات التراث الفكري المصري، وتتيح للمستفيدين البحث والتصفح والتصوير إلكترونيًا، كما توفر خدمة البحث والتصفح بالمجان.
3.9 مليون لقطة في عام واحد
وشهدت أعمال الرقمنة توسعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، إذ أعلنت دار الكتب والوثائق القومية أنه جرى خلال عام 2024 رقمنة أكثر من 3.9 مليون لقطة، شملت كتبًا نادرة ومخطوطات وخرائط وصورًا تاريخية ومواد صوتية وميكروفيلم.
كما ارتفع عدد المواد الرقمية المتاحة إلى أكثر من 3.9 مليون مقتنى، مع إتاحة أكثر من 50 ألف مصدر معلوماتي عبر القاعة الرقمية، إلى جانب الانتهاء من المسح الضوئي والمراجعة وتحقيق الجودة لما يقارب مليوني مقتنى، بواقع 28 ألفًا و600 سجل.
ولم تتوقف عملية التحول الرقمي عند الكتب والمخطوطات، إذ أعلنت الدار أيضًا تحويل أرشيف الأسطوانات الصوتية النادرة إلى صيغة رقمية، في محاولة للحفاظ على هذا التراث السمعي من التآكل والاندثار.
مخطوطات المصاحف المملوكية تدخل عصر الرقمنة
ومن أبرز المشروعات الحديثة في هذا المجال، الانتهاء من إعداد ستوديو متخصص لرقمنة المخطوطات بالتعاون مع جمعية المكنز الإسلامي، ضمن خطة استكمال رقمنة مجموعات مخطوطات دار الكتب.
ويستهدف المشروع في إحدى مراحله رقمنة مجموعة المصاحف المملوكية، التي تعد من أهم وأندر مقتنيات الدار، والمدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو «ذاكرة العالم»، بما يضمن الحفاظ على هذه الكنوز وإتاحة الاستفادة العلمية منها.
الرقمنة لا تعني الحفظ فقط
وتتجاوز أهمية التحول الرقمي فكرة إنشاء نسخ احتياطية من المقتنيات، إذ تسعى دار الكتب إلى بناء منظومة إلكترونية متكاملة تجعل الوصول إلى المعرفة أكثر سهولة.
وفي هذا السياق، تم ربط 28 مكتبة فرعية إلكترونيًا بالمبنى الرئيسي، مع تفعيل نظام احتياطي رقمي لضمان استمرار الخدمات في حالات الطوارئ، إلى جانب العمل على تحديث قاعدة البيانات المركزية وتطبيق نظام فهرسة موحد يساعد الباحثين على الوصول إلى المقتنيات.
وبذلك تتحول دار الكتب تدريجيًا من مؤسسة تعتمد أساسًا على وجود المقتنيات في أماكنها المادية، إلى مؤسسة تجمع بين الحفظ التقليدي والحفظ الرقمي والإتاحة الإلكترونية، لتصبح التكنولوجيا وسيلة جديدة لصون الذاكرة المصرية وإبقائها متاحة للأجيال المقبلة.
- القوات الحكومية اليمنية: تصدينا لهجوم الحوثيين على جبل هان وحذران وأجبرناهم على التراجع في جبهة الضباب
- من يفوز بجائزة نوبل الأدب 2026.. هل يفوز اسم خارج دائرة التوقعات؟
- ذاكرة اليوم .. أنطونيو وأوكتافيوس يسودان الإمبراطورية الرومانية ورحيل رامبرانت
- من الخردة إلى المزاد.. تمثال بابوي نادر من القرن الـ18 بآلاف الدولارات
- صندوق التنمية الثقافية يحتفل بانتصارات أكتوبر بـ20 فعالية فنية وثقافية













0 تعليق