للكاتب الكبير يوسف إدريس كتاب اسمه فقر الفكر وفكر الفقر، وفى هذا الكتاب الذي يضم حكايات متنوعة يتحدث بشكل ساخر عن أصدقائه من الكتاب ولا ينسى طبعا في هذا الحديث كل من توفيق الحكيم ونجيب محفوظ فماذا قال عن تعاملهما مع المال؟
نجيب محفوظ لا يمكن كشفه
يقول يوسف إدريس: إذا كان توفيق الحكيم هو الذي يَملك الحضور البُخلي المسرحي، فإن نجيب محفوظ هو البخيل الذي لا يَستطيع إنس أو جن أن يَكتشفه في لحظة بُخل؛ فهو لا يخلع أبدًا ملابس التنكُّر حتى وراء الستار، وحتى بينه وبين نفسه، قال لي الأستاذ توفيق الحكيم مرةً حين سألتُه: لماذا لا يشجع ويُشيع عن نفسه حكاية البُخل هذه؟ أذكر أنه أجابني بما يدل على ذكاء شديد؛ إذ قال لي إن البخيل الذي يحاول أن يكتم أمر بخله عبيط، لأنه سيدفع الناس جميعًا لانتقاده والنَّيل منه دائمًا لبُخله، أمَّا الذي يعرف الناس عنه جميعًا أنه بخيل، فإن أحدًا لا يَذكُرُه بسوء لبُخلِه، وتتحوَّل المسألة من رذيلة مُضطَر أن يدافع عنها إلى نكتة، بل إلى ما هو أكثر، إلى حقيقة لا يُناقِشها أحد، تُوفِّر عليك متاعب الحرج من كل إنسان تصادفه، وبهذا تَبخل دون إزعاج أو استنكار، وتُزاول مُتعتك تلك علنًا وعلى رءوس الأشهاد، ودون ذرة لَوم من أحد.
ويتابع: وهكذا فإن طريقة نجيب محفوظ في البُخل مُتعبة له وللآخرين، فبينما حول توفيق الحكيم بخله إلى نكتة يُنمِّيها ويشجعها، فإن نجيب محفوظ على عكسه يخاف تمامًا أن يُعرَف عنه أنه بخيل، يخاف خوفًا دراميًّا حقيقيًّا يأخذه كرواياته التراجيدية مأخذًا جادًّا لا هزل فيه؛ فهو مثلًا من جلاس المقاهي، ولا بُدَّ أن يطلب لك إذا كنتَ قادمًا وهو جالس قبلك طلبًا، لا يطلب طلبًا، وإنما يُحدِّد قاطعًا عليك طريقة الاختيار قائلًا: مَضبوط ولَّا سادة؟ وهكذا تجد نفسك وقد انحصَرَ اختيارك بين القهوة والقهوة، والقهوة سِعرها معروف، قُل خمسة في المقهى وقِرشين في الأهرام، لكي يُخفي نجيب هذا البخل القهري المركَّب فيه يطلب لكل قادم طلبًا، ولكنه طوال الجلسة يتعذَّب، وأنا لم أجلس معه كثيرًا على المقاهي أو في الأهرام، ولكني كنتُ أُلاحظ أنه لا يندمج تمامًا في أيَّة مناقشة خطيرة تنشأ، أو إذا اندمج فإنه يقول رأيه بسرعة، وبأسرع من البرق يكون قد عاد إلى حالته الأولى، حالة التفكير في شيء ما يُحيِّره، فعلًا تُحسُّ أن هناك شاغلًا مستمرًّا يشغله، ولقد ظللت أسأل نفسي عن هذا الذي يشغل أخانا الأكبر نجيب محفوظ طوال الوقت، إلى أن حدثت أمامي هَنَة بسيطة كشفَت كل شيء؛ فهو قبل أن يُغادر الجلسة يحاسب الجرسون طبعًا، ومرة ذكر الجرسون ثلاثة شاي وأربعة قهوة، فإذا بالأستاذ نجيب محفوظ يُسارع بتصحيح الخطأ ويقول: «لا … أربعة شاي وثلاثة قهوة".
دُهشت لبعض الوقت، ولكن فجأة ومَضَت الفكرة أمامي، إنَّ أي إنسان عادي نادرًا ما يذكر بالضبط عدد ونوع الطلبات التي طُلبت، خاصةً إذا كانت الجلسة صغيرة، فبقدرِ عدد الحاضرين تكون الطلبات، أمَّا أن يتذكر إنسان أنهم كانوا أربعة شاي وليسوا ثلاثة وثلاثة قهوة وليسوا أربعة، فمعنى هذا أن المسألة كانت تشغل باله طول الوقت، أيكون هذا هو السر الذي يَحول بين الأستاذ نجيب محفوظ وبين الاستطراد في اندماجه في المناقشات؟ إذ لو تجافى الأمر دقائق، لما استطاعت ذاكرته أن تعود تَقفِش عدد فناجين القهوة وتُفنِّطها على جانب حتى لا تَختلِط بعدد أكواب الشاي.
- ميسورى ويليامز وتشينا مييفيل يتصدران القائمة القصيرة لجائزة جولدسميثس
- ترامب: ربّما نضرب إيران وربّما نتوصّل إلى اتفاق وعلينا اتخاذ القرار والحرب ستنتهي قريباً جداً بطريقة أو بأخرى
- غارة إسرائيلية على بني حيان في الجنوب
- "فلاي دبي": التعليق المؤقت سيتيح للسلطات المعنية مواصلة عملها وتحديد كافة الحقائق المتعلقة بواقعة الطائرة
- متحدث باسم شركة "فلاي دبي": نؤكد الالتزام الكامل بالحفاظ على أعلى معايير السلامة والأمن بجميع عملياتنا


















0 تعليق