لم يكن المربع عند الفنان التشكيلي اللبناني جبران طرزي شكلًا هندسيًا مغلقًا، ولم تكن الخطوط التي أحاطت به محاولة لضبط المساحة بقدر ما كانت وسيلة لفتحها على احتمالات أخرى. ففي تجربته تبدو المفارقة واضحة؛ أكثر الأشكال الهندسية استقرارًا تحوّل بين يديه إلى مساحة للقلق والتجريب وإعادة النظر في علاقة الفنان بذاكرته. ومن هنا يمكن الدخول إلى عالم طرزي بعيدًا عن القراءة التي تختصره في التجريد الهندسي أو في المصالحة بين الشرق والحداثة؛ فالأكثر إثارة في تجربته ليس ما وضعه داخل المربع، بل كيف استطاع الخروج منه من دون أن يهدمه.
كان طرزي يعرف الحرفة من داخلها، لا بوصفها مادة تراثية يتأملها من بعيد. عاش تفاصيل الخشب والزخرفة والتلوين والصناديق والمرايا والأثاث الشرقي، واكتسب معرفة دقيقة بالمواد وتقنيات التعامل معها، ولذلك لم يكن انتقاله إلى الفن الحديث قطيعة سهلة مع الماضي. على العكس، تكمن خصوصية تجربته في أنه لم يصل إلى الحداثة لأنه كان يجهل التراث، بل ربما لأنه عرفه أكثر مما يسمح له بتكراره.
وتكشف إحدى الوقائع المرتبطة بتحوله الفني جوهر مشروعه؛ فخلال محاولاته لإنجاز تكوين مربع مستمد من السقف الشرقي، خرج الشكل أمامه من وظيفته الأصلية. لم يعد السؤال متعلقًا بجودة السقف أو مهارة تنفيذه، بل بما يمكن أن يصبحه هذا التكوين حين يتوقف عن أداء الوظيفة التي صُنع من أجلها. كانت تلك اللحظة، في معناها الفني، أكثر من انتقال من الحرفة إلى التجريد؛ لقد كانت اكتشافًا لإمكانية تحرير الشكل من وظيفته من دون محو ذاكرته.
هنا تحديدًا بدأ طرزي يعيد النظر في الموروث. لم يتخلص من مفرداته، ولم يتعامل معه بوصفه مخزونًا زخرفيًا جاهزًا للاستدعاء، وإنما انتزع منه منطقه الداخلي وأعاد بناءه بصريًا. ومن تركيب "القائم–النائم"، القائم على تجاور المستطيلات الرأسية والأفقية وصولًا إلى المربع، تشكلت لغة أخذت تتسع مع كل تجربة جديدة. الوحدة تتكرر، لكنها لا تعيد نفسها بالطريقة ذاتها؛ اللون يتغير، والإيقاع يتحرك، والعلاقات بين الخطوط والمساحات تعيد ترتيب نظرة المتلقي في كل مرة.
لذلك فإن قراءة أعمال طرزي بوصفها امتدادًا للأرابسك وحده تضيّق تجربته، مثلما أن فصلها تمامًا عن الحرفة المشرقية يقتطع جذورها. لقد اشتغل في المسافة الحساسة بين الاثنين؛ حيث لا تبقى الحرفة مجرد حرفة، ولا يستطيع التجريد أن يدّعي البراءة من الذاكرة. وهذه المسافة تحديدًا هي التي تمنح مشروعه أهميته، لأن السؤال لديه لم يكن كيف نحافظ على التراث، وإنما كيف نجعله قادرًا على إنتاج شكل لم يكن موجودًا من قبل.
وعلى الرغم من الصرامة الظاهرية في تكويناته، فإن هندسة طرزي ليست باردة. المربع ثابت في ظاهره، لكن العلاقات التي تحدث داخله لا تستقر. اللون يمنع الشكل من الجمود، وتجاور المستطيلات يدفع العين إلى الانتقال بين المركز والأطراف، وبين الكتلة والفراغ، حتى يصبح النظام نفسه مجالًا للحركة. وهنا تظهر واحدة من أجمل مفارقات تجربته: لقد اختار أحد أكثر الأشكال الهندسية انضباطًا ليبحث داخله عن الحرية.
لم يكن بحاجة إلى تحطيم المربع كي يتحرر منه؛ كان يكفيه أن يغير ما يحدث داخله. ولهذا يصبح التكرار عنده مفهومًا يستحق التوقف. فالتكرار في الحرفة قد يكون ضمانًا لاستمرار النموذج، أما عند طرزي فقد أصبح اختبارًا للاختلاف. الشكل يعود، لكنه يعود محملًا باحتمال آخر، وكأن الفنان يختبر في كل مرة المسافة التي يستطيع أن يبتدعها عن الأصل من دون أن يفقد أثره. وهنا لا يصبح التراث نقيضًا للحداثة، بل مادة تخضع للشك وإعادة التكوين.
غير أن جبران طرزي لا يمكن قراءته من خلال اللوحة وحدها؛ فقد كان يكتب بقدر ما كان يفكر بصريًا، وكانت الكتابة لديه امتدادًا للسؤال التشكيلي لا نشاطًا منفصلًا عنه. في روايته معصرة الزيتون، وفي كتابه تنويعات هندسية، وفي بيانه الحاجة إلى الشرق، وكذلك في رسائله ومقالاته وحواراته، يظهر فنان منشغل بمعنى الانتماء والاختلاف والحرية، وبإمكان أن يدخل الإنسان إلى الحداثة من دون أن يخرج من ذاكرته.
ولعل مفهوم "الحاجة إلى الشرق" يكشف جانبًا جوهريًا في هذه الرؤية. فالشرق عند طرزي لم يكن مجموعة رموز جاهزة لإثبات الهوية، ولم يكن حنينًا رومانسيًا إلى زمن مفقود، بل فضاءً فكريًا وروحيًا يحاول من خلاله مساءلة علاقة الإنسان بأصله وبالآخر. كان مفتونًا بالحوار بين الثقافات، لكنه لم يفهم الحوار بوصفه ذوبانًا؛ فالاختلاف لديه شرط للتواصل وليس عائقًا أمامه.
وهذا ما يجعل تجربته عابرة للثقافات من دون أن تصبح بلا هوية. فقد عرف الثقافة الفرنسية، وانفتح على الحداثة الأوروبية، وحمل أثر الثقافة المغربية والمشرق والحرفة العائلية، لكن القيمة ليست في تعداد هذه المؤثرات بقدر ما هي في الطريقة التي أعاد بها تركيبها. لم يسمح لمرجعية واحدة بأن تستحوذ على العمل، وكأن هويته الفنية نفسها تقوم على فكرة أن الانتماء يمكن أن يكون متعددًا من دون أن يكون مرتبكًا.
وربما يفسر ذلك لماذا استمرت أعماله في إثارة الاهتمام بعد رحيله، ودخلت مجموعات متحفية ومؤسسات فنية، وأصبحت مادته البصرية والفكرية موضوعًا للدراسة وإعادة القراءة. غير أن قيمة هذا الحضور لا تكمن فقط في الاعتراف المؤسسي المتأخر، وإنما في أن مشروعه لا يزال قادرًا على طرح سؤال معاصر للغاية: ماذا يفعل الفنان بالموروث عندما يرفض أن يكتفي بحراسته؟
في تجربة طرزي لا توجد لحظة واضحة يموت فيها الحرفي لكي يولد الفنان. ظل الحرفي حاضرًا في دقة التنفيذ، واحترام المادة، والصبر على التكوين، بينما ظهر الفنان حين رفض أن تكون المهارة هي نهاية العمل. وربما هنا تحديدًا تكمن المسافة بين الصنعة والإبداع؛ فالحرفة تعرف كيف تعيد الشكل بإتقان، أما الفن فيسأل لماذا ينبغي للشكل أن يعود بالطريقة نفسها.
لهذا لم يكن تمرد طرزي على الموروث تمردًا عليه بقدر ما كان رفضًا لتحنيطه. فالموروث الذي يُعاد كما هو قد يحافظ على صورته، لكنه يخسر قدرته على إنتاج المستقبل. أما حين يخضع للسؤال والتفكيك وإعادة البناء، فإنه يتوقف عن كونه أثرًا محفوظًا ويعود مادة حية داخل الزمن.
ومن هنا تبدو تجربة جبران طرزي أكبر من التصنيف بين شرقي وحداثي، أو بين حرفي وفنان تجريدي. هذه الثنائيات نفسها تصبح أقل أهمية أمام فنان أخذ شكلًا يعرفه جيدًا، وجرّده من يقينه، ثم أعاده إلى العين بصورة أخرى. لم ينكر اليد التي سبقته، لكنه لم يسمح لها بأن تقود يده إلى النتيجة ذاتها.
وربما لهذا ظل المربع حاضرًا في تجربته؛ ليس باعتباره شكلًا أغلق عالمه، وإنما باعتباره سؤالًا ظل يفتحه في كل مرة من جديد. فالقيمة في تجربة جبران طرزي لم تكن في اكتشاف المربع، بل في اكتشاف أن أكثر الأشكال إحكامًا يمكن أن يحمل داخله احتمالات لا تنتهي.
لم يكن المربع إطارًا أغلق عالم جبران طرزي؛ كان الباب الذي خرج منه.

شيرين فريد

جبران طرزي

من أعمال الفنان التشكيلى الراحل جبران طرزي

مربعات جبران طرزي





- اكتشاف أسلحة سلتية تعيد رسم خارطة العصر الحديدى فى أوروبا.. ما القصة؟
- خالد دومة يكتب: جدار يريد أن ينقض
- زيلينسكي: أوكرانيا اعترضت 57% فقط من الطائرات المسيّرة النفاثة في أحدث هجوم
- مستشار مسعود بارزاني ل"العربية": البيشمركة هي البديل للقوات الأميركية في كردستان العراق
- ذاكرة اليوم.. الانتداب البريطانى على فلسطين والحكم بعودة طابا إلى مصر


















0 تعليق