ثلاثة أيام من النقاش حول معنى أن تكون الهوية المصرية "جذورًا راسخة ورؤية متجددة" انتهت بإعلان "وثيقة مكتبة الإسكندرية للهوية الوطنية"، التى حاولت أن تنقل النقاش من تعريف الهوية ومكوناتها والمخاطر التى تواجهها إلى مجموعة من المسارات التى تتصل بالتعليم والثقافة والإعلام والأسرة والشباب والتراث واللغة، مع الإعلان عن استمرار مؤتمر الهوية الوطنية بصورة سنوية وتوسيع دوائر الحوار فى المحافظات وبين المصريين بالخارج.
واختتمت مكتبة الإسكندرية يوم 23 سبتمبر 2026 مؤتمر "الهوية الوطنية.. جذور راسخة ورؤية متجددة"، الذى انعقد على مدار ثلاثة أيام بالتعاون بين المكتبة ووزارات التعليم العالى والبحث العلمى، والشباب والرياضة، والثقافة، ومحافظة الإسكندرية، وبمشاركة مسئولين وأكاديميين ومفكرين وباحثين وممثلين للشباب.
ما المقصود بالهوية فى الوثيقة؟
جاءت إحدى النقاط الأساسية فى الوثيقة فى التعامل مع الهوية المصرية باعتبارها منظومة تراكمية تشكلت عبر التاريخ، وليست عنصرًا منفردًا أو مرحلة تاريخية واحدة يمكن اختزال الشخصية المصرية فيها.
وتنطلق الوثيقة من وجود ركائز مشتركة للهوية تصنع التماسك الاجتماعى والمواطنة، مع النظر إلى الهوية باعتبارها عنصرًا يمكن أن يدعم التنمية والتقدم والتفاعل مع العالم، وليس دعوة إلى الانغلاق أو رفض التغيير.
وهذه النقطة ترتبط بعنوان المؤتمر نفسه؛ "جذور راسخة ورؤية متجددة"، أى الجمع بين الوعى بالتاريخ والقدرة على التعامل مع الحاضر والتحولات الاجتماعية والتكنولوجية.
اللغة العربية فى قلب القضية
أعطت الوثيقة مساحة واضحة للغة العربية باعتبارها وعاء رئيسيًا للثقافة وأداة لنقل الذاكرة والمعرفة بين الأجيال، ومن هنا دعت إلى تعزيز مكانتها فى التعليم والإعلام والمجال العام، مع تطوير طرق تعليمها واستخدامها بما يجعلها قادرة على التفاعل مع العصر.
ويمثل ذلك جانبًا مهمًا من النقاش حول الهوية؛ فاللغة لا تعمل فقط بوصفها أداة للتخاطب، وإنما تحمل الأدب والذاكرة والمصطلحات والأمثال وأنماط التفكير والتجارب التى تراكمت داخل المجتمع على مدى أجيال.
الأسرة والتعليم.. أين تبدأ الهوية؟
من بين المحاور التى خرج بها المؤتمر التأكيد على دور الأسرة فى بناء شخصية الطفل وتشكيل انتمائه، إلى جانب الدور المركزى للمؤسسات التعليمية.
وكان المؤتمر قد خصص جلساته لمناقشة الوضع الحالى لعناصر الهوية المصرية والمؤسسات والسياسات التى تسهم فى تشكيلها، وهو ما جعل المدرسة والجامعة والأسرة والإعلام ومؤسسات الثقافة والشباب أجزاء من عملية واحدة وليست مجالات منفصلة.
وفى هذا السياق، ربطت المناقشات بين جودة التعليم والهوية، وطرحت أهمية إنتاج محتوى هادف داخل الجامعات، إلى جانب الانفتاح على العالم والقدرة على المنافسة الدولية، باعتبار أن الهوية القادرة على الاستمرار ليست هوية ساكنة، وإنما تتفاعل مع المعرفة والتطور.
التراث ليس الماضى فقط
وضعت الوثيقة حماية التراث الثقافى ضمن أولوياتها، وهى مسألة تتجاوز الحفاظ على المبانى والمواقع الأثرية إلى حماية الموروثات الثقافية التى تصنع الذاكرة المشتركة للمصريين.
فالتراث هنا يرتبط بالتاريخ والفنون والحرف والعادات واللغة والذاكرة الشعبية، ومن ثم يصبح الحفاظ عليه عملية مستمرة تتطلب التوثيق والتعليم وإتاحته للأجيال الجديدة، بدلاً من بقائه مادة مرتبطة بالماضى وحده.
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى يدخلان النقاش
ومن اللافت أن التحضير للمؤتمر لم يتعامل مع تحديات الهوية بوصفها قضايا ثقافية تقليدية فحسب؛ فقد وضعت المناقشات منذ البداية وسائل التواصل الاجتماعى والتوسع السريع فى استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعى ضمن المتغيرات التى تستحق الدراسة.
وفى جلسات المؤتمر نوقشت أيضًا التحديات التى يفرضها الفضاء الرقمى وتدفق المحتوى والأفكار عبر الحدود، وهو ما يعنى أن سؤال الهوية لم يعد متعلقًا فقط بما تقدمه المدرسة أو الأسرة، وإنما كذلك بما يراه الفرد كل يوم عبر هاتفه والمنصات الرقمية.
وهنا تظهر أهمية الانتقال من فكرة "حماية الهوية" بمعنى العزل إلى بناء قدرة لدى الأجيال الجديدة على التفاعل النقدى والواعى مع المحتوى القادم من العالم.
مؤتمر سنوى وحوار فى المحافظات
أحد أبرز المخرجات العملية التى أعلنت عقب انتهاء الاجتماعات هو استمرار مؤتمر الهوية الوطنية سنويًا، وعدم قصر النقاش على مكتبة الإسكندرية.
وأعلن اللواء خالد فودة، مستشار رئيس الجمهورية للتنمية المحلية ورئيس المؤتمر، أن الحوار سيتوسع ليشمل محافظات الجمهورية، إلى جانب فتحه أمام المصريين المقيمين فى الخارج والاستماع إلى رؤاهم واحتياجاتهم وتطلعاتهم.
وتكتسب هذه النقطة أهميتها من أن الهوية المصرية لا تعاش بالطريقة نفسها فى كل مكان؛ فخبرة الشاب فى القاهرة تختلف عن خبرة أهل الصعيد أو سيناء أو النوبة أو مدن القناة، كما تختلف خبرة ملايين المصريين الذين يعيشون خارج البلاد، رغم انتمائهم جميعًا إلى المجال الوطنى نفسه.
من الوثيقة إلى التنفيذ
ويبقى التحدى الأساسى بعد انتهاء المؤتمر هو تحويل المبادئ العامة إلى برامج قابلة للتطبيق والقياس؛ وهو ما أشارت إليه الوثيقة نفسها عند الحديث عن ضرورة صياغة آليات عمل تتحول إلى برامج فعلية للتنفيذ.
فالدعوة إلى دعم اللغة العربية تحتاج إلى برامج تعليم وإنتاج محتوى، وحماية التراث تحتاج إلى توثيق وتمويل وإتاحة، وتعزيز دور الأسرة يحتاج إلى سياسات اجتماعية وثقافية، ومواجهة تحديات الفضاء الرقمى تحتاج إلى أدوات جديدة تتجاوز الخطاب التقليدى.
ومن هنا ربما تكون القيمة الحقيقية لما خرج به مؤتمر مكتبة الإسكندرية مرتبطة بما سيحدث بعد إغلاق قاعاته؛ فالوثيقة وضعت مجموعة من المبادئ والمسارات، والإعلان عن مؤتمر سنوى وتوسيع الحوار يوفر إطارًا للاستمرار، بينما سيكون المعيار العملى هو مقدار ما يتحول من هذه الأفكار إلى مبادرات وسياسات ومشروعات يلمس أثرها المجتمع والأجيال الجديدة.
- نائب رئيس المجلس الرئاسي اليمني: الطريق إلى بحر أحمر آمن يمر عبر يمن مستقر
- ولي عهد الكويت: العراق دولة جارة يربطنا بها علاقات وثيقة ونشيد بخطوات رئيس الوزراء العراقي بحصر السلاح بيد الدولة
- ولي العهد الكويتي: الكويت تجدد دعمها للجهود الدبلوماسية بشأن الأزمة الإيرانية
- "إن. بي. سي" عن الرئيس الإيراني: حكومتنا منفتحة على عمليات التفتيش لمنشآتها النووية
- إطلاق صاروخين من سيريك نحو مضيق هرمز


















0 تعليق