أقيمت فعاليات المؤتمر الوطني "الهوية الوطنية.. جذور راسخة ورؤية متجددة"، تحت رعاية السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، بمكتبة الإسكندرية، واختتمت فعالياته أمس 23 سبتمبر، وذلك في ظل مواجهة التحولات التكنولوجية السريعة وحماية الوعي المجتمعي والانتماء لدى الأجيال الجديدة.
ويستهدف المؤتمر تعزيز التفكير النقدي، وترسيخ قيم المواطنة والانتماء الحقيقي للوطن بين طلاب الجامعات والشباب، التأكيد أن الاعتزاز بالتاريخ والثقافة لا يعني الانغلاق، بل دعم الانفتاح الواعي على العالم دون فقدان الخصوصية المصرية، الخروج بـ «وثيقة الإسكندرية للهوية الوطنية» لضمان وجود آليات وخطوات عملية لتنفيذ التوصيات.
ولعل الهوية المصرية، هوية متنوعة ومتجذرة القدم، إذ تداخلت على مصر العديد من الحضارات والثقافات، لكنها حافظت على هويتها الأصيلة، وكان لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، رأي في مسألة الهوية المصرية، ذكرها في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر»، فلم ينظر طه حسين إلى هوية مصر باعتبارها هوية شرقية خالصة، كما لم يرَ أن انتماءها العربي أو إسلامها يمكن أن يكونا وحدهما أساسًا كافيًا لتعريف شخصيتها الحضارية.
وفي كتابه سالف الذكر، قدم رؤية تقوم على قراءة تاريخية طويلة للهوية المصرية، تستند إلى موقع مصر على البحر المتوسط، وإلى صلاتها القديمة بالحضارتين اليونانية والأوروبية، وإلى خصوصية تكوينها الحضاري الذي سبق ظهور الإسلام والعروبة بقرون طويلة.
وينطلق طه حسين من أن الفواصل الجغرافية بين الشرق والغرب لا يمكن أن تكون وحدها معيارًا لتحديد هوية مصر، فالتاريخ المصري، في رأيه، يكشف عن تفاعل طويل مع الحضارة المتوسطية والأوروبية، خصوصًا منذ العصر اليوناني.
مصر بين الشرق والغرب
يستعيد طه حسين في كتابه تاريخ مصر منذ العصر اليوناني، متوقفًا عند الإسكندر الأكبر ومدينة الإسكندرية التي أصبحت مركزًا حضاريًا بالغ الأهمية في العالم القديم.
ولا يكتفي حسين بالنظر إلى الإسكندرية باعتبارها مدينة أنشأها الإسكندر، وإنما يربط ظهورها بطبيعة العلاقة التاريخية بين مصر واليونان، وبالتأثير الذي مارسته الحضارة المصرية القديمة في العقل اليوناني.
ويشير إلى أن هذا التأثير لم يكن أمرًا أنكره اليونانيون، وإنما تحدث عنه عدد من الكتاب اليونانيين أنفسهم، ومن بينهم هيرودوت، بما يؤكد، في رؤية حسين، أن العلاقة بين مصر واليونان لم تكن علاقة ثقافة واحدة بأخرى من طرف واحد، بل كانت علاقة تأثير وتأثر متبادلين.
ومن هنا يرفض حسين اختزال مصر في انتماء شرقي ضيق، لأن مصر، بحسب هذه الرؤية، كانت طرفًا أصيلًا في الحضارة المتوسطية التي اتصلت باليونان، ومنها انتقلت تأثيرات ثقافية وفكرية إلى الحضارة الأوروبية.
المصريون يرون أنفسهم شرقيين.. وطه حسين يعترض
يطرح طه حسين سؤالًا جوهريًا حول معنى أن يعتبر المصري نفسه شرقيًا، وهل المقصود بذلك الموقع الجغرافي أم الانتماء الثقافي والحضاري.
ويقول: «فأما المصريون أنفسهم، فإنهم يرون أنهم شرقيون، ولا يفهمون من الشرق معناه الجغرافي فقط، بل أيضًا معناه العقلي والثقافي».
ثم يعبر عن عدم فهمه لهذا التصور، متسائلًا عن السبب الذي يجعل المصري أقرب ثقافيًا إلى الهندي والصيني والياباني من اليوناني والإيطالي والفرنسي. ويرى أن هذا التصور، في جوهره، لا ينسجم مع التاريخ الحضاري لمصر.
فالشرق الذي اتصلت به مصر، وفق القراءة التي يقدمها حسين، كان في الأساس شرقًا قريبًا، يتمثل في فلسطين والشام والعراق، وهي مناطق ارتبطت بمصر تاريخيًا بحكم موقعها الجغرافي في حوض البحر المتوسط.
أما الشرق الأقصى، فلم يكن له التأثير نفسه في تكوين العقل المصري القديم، ولذلك لا يرى حسين مبررًا لوضع مصر في إطار ثقافي واحد مع حضارات بعيدة جغرافيًا وتاريخيًا.
الهوية المصرية أقدم من العروبة
تقوم رؤية طه حسين كذلك على فكرة أساسية، وهي أن الشخصية المصرية لم تبدأ مع دخول العرب إلى مصر، وإنما كانت لها جذور حضارية سابقة على الإسلام والعروبة.
ولهذا فإن الحديث عن الهوية المصرية لا يمكن، في تصوره، أن يبدأ من اللغة العربية أو الدين الإسلامي فقط، لأن مصر كانت قد امتلكت شخصيتها الحضارية قبل ظهور الإسلام بقرون طويلة.
وهنا يطرح حسين قضية العلاقة بين اللغة والدين والهوية، ويرى أن اشتراك مجموعة من الشعوب في اللغة أو الدين لا يعني بالضرورة أنها أصبحت ذات هوية حضارية واحدة.
فاللغة العربية، رغم كونها عنصرًا أساسيًا في الثقافة المصرية الحديثة، لا تلغي الخصوصية التاريخية التي تكونت عبر آلاف السنين، كما أن الإسلام، على أهميته الكبرى في تشكيل المجتمع المصري، لم يمحُ بالضرورة كل ما سبقه من مكونات ثقافية وحضارية.
هل الدين يغير هوية الشعوب؟
يذهب طه حسين إلى فكرة أبعد من ذلك، وهي أن انتقال الدين من شعب إلى آخر لا يعني بالضرورة انتقال العقلية الحضارية للشعب الأول إلى الشعب الثاني.
ويضرب مثالًا بالمسيحية، التي نشأت في الشرق، ثم انتقلت إلى أوروبا وأصبحت دين غالبية شعوبها، ومع ذلك لم تتحول أوروبا إلى مجتمع شرقي، ولم يفقد الأوروبيون خصائصهم الحضارية السابقة.
ومن هنا يقيس حسين على الحالة المصرية، معتبرًا أن دخول الإسلام إلى مصر لا يعني أن الشخصية المصرية فقدت كل خصائصها السابقة أو تحولت بالكامل إلى شخصية وافدة من خارجها.
ويقول: «إذا صح أن المسيحية لم تمسخ العقل الأوروبي، ولم تخرجه عن يونانيته الموروثة، ولم تجرده من خصائصه التي جاءته من إقليم البحر الأبيض المتوسط، فيجب أن يصح أيضًا أن الإسلام لم يغير العقل المصري».
وبذلك يميز حسين بين الدين باعتباره عقيدة وبين الهوية الحضارية باعتبارها تراكمًا تاريخيًا؛ فالدين يمكن أن ينتشر بين شعوب مختلفة، لكن كل مجتمع يستقبله داخل سياقه التاريخي والثقافي الخاص.
مصر ليست نسخة من الشرق
ومن خلال هذه الرؤية، تبدو مصر عند طه حسين حالة حضارية خاصة؛ فهي تقع جغرافيًا في أفريقيا، وتتصل بالشرق عبر موقعها وتاريخها، لكنها في الوقت نفسه تنتمي إلى فضاء البحر المتوسط الذي ربطها منذ العصور القديمة باليونان وأوروبا.
ولهذا فإن اختزال الشخصية المصرية في كونها «شرقية» فقط يعني، في نظر حسين، تجاهل جانب كبير من تاريخها.
كما أن اختزالها في العروبة أو الإسلام وحدهما لا يعبر عن كامل تكوينها الحضاري، لأن الثقافة المصرية نتاج طبقات تاريخية متراكمة: مصر القديمة، ثم العصر اليوناني والروماني، ثم المسيحية، ثم الإسلام والعروبة، وما تلا ذلك من تفاعلات مع العالمين العربي والمتوسطي.
«مستقبل الثقافة في مصر».. الهوية بوصفها اختيارًا حضاريًا
لم تكن هذه الرؤية عند طه حسين مجرد بحث تاريخي في أصل المصريين، وإنما ارتبطت بمشروعه الفكري الأوسع حول مستقبل مصر.
فهو كان يبحث عن موقع مصر في العالم الحديث، ويرى أن مصر لا ينبغي أن تنظر إلى نفسها باعتبارها جزءًا معزولًا من الشرق، وإنما عليها أن تستعيد صلتها بالثقافة المتوسطية والأوروبية، دون أن يعني ذلك التخلي عن خصوصيتها أو تاريخها.
ولهذا فإن قضية الهوية عنده لم تكن سؤالًا عن «الشرق أم الغرب» بالمعنى البسيط، وإنما عن قدرة مصر على الاعتراف بتعدد روافدها الحضارية.
ومن هذه الزاوية، تصبح مصر عند طه حسين جسرًا حضاريًا أكثر منها طرفًا مغلقًا داخل ثنائية الشرق والغرب؛ فهي دولة شرقية من حيث الجغرافيا السياسية والتاريخ الحديث، لكنها في الوقت نفسه صاحبة جذور متوسطية عميقة، ولها إسهامها في الحضارة التي تشكلت حول البحر المتوسط.


















0 تعليق