كانت تستيقظ في الثالثة فجرًا. لا صوت سوى أنفاسها. ترتدي زي العمل المعتاد؛ جلبابًا واسعًا علقت به آثار العجين. تنزل درجات السلم وهي تلهث؛ فوزنها الزائد يجعل خطواتها بطيئة، فتستند إلى التربزين كلما هبطت درجة. لا تحمل ملامحها مسحة من الزينة؛ ينطبع عليها الشقاء، ويخرج صوتها خشنًا، ومع ذلك كانت فيها طيبة، كان الصمت يحيط بها كصمت المقابر.
تفتح باب الفرن، وتدير الراديو على إذاعة القرآن الكريم، فتأنس بصوته. تدخل حجرة العجين، وتدير العجانة. تحمل جوال الدقيق كأنها تتصارع معه؛ تحاول ألا يغلبها أو يفلت من بين يديها. تضع كمية كبيرة من الدقيق في العجانة، ثم تصب عليه الماء.
تدور الآلة، وتقف هي بجوارها كأنها مصلوبة. يغالب النعاس عينيها، ويداعب النوم جفنيها، لكنها تطرده؛ فلو غفلت عن العجين لفسد. تراقبه وهي تحك عينيها كل بضع دقائق، وتضيف قليلًا من الماء إن احتاج، حتى يصبح متماسكًا.
تحمله في وعاء لتضع غيره، وتتركه حتى يختمر، ثم تبدأ في تقطيعه إلى قطع صغيرة. يتصبب العرق من وجهها، فتمسحه بكمّ جلبابها كلما سقط على عينيها.
بعد أن تقطع الكثير من قطع العجين على طاولة التقريص، يأخذها عامل آخر ليضعها على السير، حيث تبدأ المرحلة الأخيرة. حرارة الفرن شديدة، والهواء ساخن، ورائحة الخبز تملأ المكان.
وفي دقائق، يخرج الرغيف من الفرن. تتلقفه أيدي العمال، وتضعه في أقفاص حتى يبرد.
تمر الساعات ولا راحة. ربما تناولت بعض الماء، تروي به ظمأها من كثرة ما فقدته من عرق أثناء العمل.
وعند سماع دقات الثامنة في الراديو، تنطلق مسرعة بعد أن ترتب سير العمل في عجالة. ترتدي عبايتها الفضفاضة، وتتوجه إلى عملها في المدرسة، حيث تعمل معاونًا.
دائمًا ما تتأخر عن العمل.
في ذلك اليوم، ظلت تطرق باب المدرسة لدقائق. مر أكثر من ربع ساعة قبل أن يُفتح لها الباب، وكانت الساعة قد قاربت التاسعة، وجدت المدير خلف الباب، وعيناه تبرقان بشرر الغضب.
وقفت أمامه كطفلة أهملت أداء واجباتها. كان رأسها منكّسًا، وقد اصفر وجهها وراحت يداها ترتعشان من الحرج.
خرجت منه كلمات عنيفة:
— أنتِ غائبة اليوم؟
ثم صرخ في وجهها:
— لو تكرر التأخير، سوف أعمل على نقلك من المدرسة. أنا لا أحتاجكِ، وأنتِ دائمة التأخير، عبء على المدرسة!
انصرف، تاركًا إياها في وسط الحوش.
كان بعض المدرسين يقفون على مقربة منها. ارتسم الحزن على وجوههم، لكن لم يتفوه أحد بكلمة.
لم تحتمل.
انهمرت دموعها. بكت كما يبكي طفل صغير، حتى تهدج صدرها. ذهبت تجر أذيال الخيبة والحزن إلى مكتبها، وضعت رأسها عليه، وأكملت نحيبها.
التفت حولها زميلاتها يهدئنها. كانت تمسح دموعها كما اعتادت أن تمسح عرقها بساعِدها.
ناداها زميل من خارج الحجرة:
— أين بائعة الخبز؟ هل نسيتِ ما طلبتُ منها؟ بعشرة جنيه عيش.
رفعت رأسها وابتسمت، وقالت متهكمة:
— تعالى يا أخويا، جهزتهولك.
أعطته كيس العيش. لم يناولها الثمن، فاختطفت الكيس من يده ومدت يدها الأخرى مطالبة بالمال.
وضع النقود في يدها، فناولته كيس العيش.
ضحك، وضحكت.
أمسكت القلم، وفتحت دفترها، وبدأت في العمل.
كانت قد مسحت دموعها، كما مسحت عرقها قبل ساعات.
خالد دومة يكتب: بائعة الخبز (قصة قصيرة)
خالد دومة يكتب: بائعة الخبز (قصة قصيرة)













0 تعليق