تمر اليوم الذكرى الـ 86 لميلاد شاعر العامية المصري سيد حجاب، وهو أحد عمالقة شعر العامية في التاريخ المصرى، حيث استطاع بكلماته على مدار أكثر من نصف قرن، أن يتحدث عن الوطن والمواطن والإنسان وهمومه بأسلوبه الخاص والساحر، والذى نفذ إلى قلوب القراء لبساطته وما تضمنه من موسيقى مُحببة لعشاق شعر العامية المصري.
سيد حجاب من مواليد 1940، حيث شهد التاريخ المصري منذ هذه اللحظة، وعبر عن تغيراته وتحولاته وانتصاراته وانكساراته بقوة الشعر والكلمة، حيث قام الاستعمار والمستعمر قبل الثورة، وهاجم الفساد والفاسدين بعد الثورة، الأمر الذى كلفه اعتقاله لمدة 6 شهور، لكنه لم يستسلم، وظل يقاوم رغم حبه الشديد لعبد الناصر.
سيد حجاب: والدتي سمتني السيد وفاءً لنذر قطعته على نفسها
"والدتي سمتني السيد وفاءً لنذر قطعته على نفسها" هكذا يقول سيد حجاب عن مولده، حيث ينقل الكاتب والشاعر إبراهيم خطاب في كتابه "سيد حجاب صياد الحواديت" عن سيد حجاب مسيرته الطويلة مع الشعر والوطن.
ويقول حجاب: "والدتي أنجبت صلاح البكري في البداية وقررت على طريقة أبناء القرى أن تخاويه فكانت النتيجة هي ابتسام، عادت المحاولة فكانت سعاد ثم وداد وفي المرة الرابعة أعطت نذرًا للسيد البدوي ولماري جرجس في ميت دمسيس، وقصت علي والدتي قصة غريبة بهذا الشأن على طريقتها الخاصة فقالت إنها قبيل ميلادي زارها السيد البدوي وكانت إيده يا أخويا طرية وبيضاء وملظلظة وقال لي أبشرك بغلام".
وتابع حجاب: "وُلدت في 23 سبتمبر من عام 1940 في أثناء الحرب العالمية الثانية كانت طفولتي في قرية المطرية بالدقهلية مليئة بذكريات بقايا الحرب.. والدي أحمد محمد حجاب درس في الأزهر لسنوات وخرج عاشقًا للقراءة والشعر بل وكنت أسمع أقوالًا عنه وأنه شاعرًا في صباه ولكني لم أسمع له بيتًا واحدًا".
ينتقل حجاب بعد ذلك إلى مرحلة الطفولة والمراهقة ويقول: "عندما كنت في السابعة كانت الكوليرا منتشرة وكانت الأمهات يحبسن أبناءهن في البيت فكانت فرصتي لألتهم مكتبة والدي وكان والدي مشتركًا في مجلات المصور وكتاب الهلال ومجلة الهلال وغيرها وكان البيت كله مصابًا بحب القراءة وعشق الكتب، وأذكر أن والدي كان يقتص 5 ساعات مقدسة من يومه للقراءة.. كانت سني 12 عاما وكنا جميعًا مُعبئين بمشاعر وأحلام وطنية تحررية للتخلص من الاستعمار وفي منازلنا لا تنام القضية الوطنية أبدًا خصوصًا مع انفجار الكفاح المسلح في بورسعيد والقنال".
ومع نشوء الوعي السياسى لدى سيد حجاب، نظر حوله فوجد جماعة الإخوان، وحزب مصر الفتاة، ويقول: "وفي هذه الفترة كان أحمد حسنين نجمًا ساطعًا إعلاميًا ولا أنسى مقولته "مواطنون لا رعاية" فكان اتجاهي لمصر الفتاة بناء على الشغف للقراءة والفضول لمعرفة المزيد وهو ما لم أتمكن منه وسط الإخوان".
وحول علاقته بصلاح جاهين ينقل خطاب عن سيد حجاب: "عرفني فؤاد قاعود إلى صلاح جاهين الذي طلب أن ألقي بعض قصائدي سمع أول قصيدة وهو متجهم متكور بعد أن أنهيت القصيدة أشار إلي بيديه كمان قصيدة أنا لم أفهم هل القصيدة أعجبته أم لا فقلت قصيدة أخرى وكان يسمع بنفس التجهم والتقور أنهيت القصيدة فأشار طالبًا أخرى ولا أزال لا أفهم هل القصيدة أعجبته أم لا بعد القصيدة الثالثة رأيت هذا الكيان المتجهم المتكور ينط مثل عيل صغير طفل ويأخذ فؤاد قاعود بالحضن ويقول له: "بقينا كتير يا فؤاد".
ويقول خطاب: رغم الفرحة الكبيرة التي ملأت قلب وصدر سيد حجاب نتيجة مقابلته الشاعر الكبير صلاح جاهين جرى اعتقاله بعدها بفترة وجيزة في أواخر عام 1966 بتهمة الانتماء إلى تنظيم وحدة تشريعيين المصريين الذي يتآمر لقلب نظام الحكم في مصر مع نخبة من كبار كتاب جيل الستينيات والصحفيين حينها مثل سيد خميس، وعلي الشباشي، وصلاح عيسى، وجمال الغيطاني، وعبد الرحمن الأبنودي، وصبري حافظ، والصحفيين محمد العزبي، وجلال السيد، وإبراهيم فتحي.
في هذه الفترة كان حجاب متزوجًا بفتاة سويسرية والدها قِس الجالية السويسرية في مصر وكان صديقا لسارتر وحاول عدة محاولات مع لجنة العفو الدولية وحقوق الإنسان واتصل بسارتر قبيل مجيئه إلى مصر ليحاول حل الأزمة مع السلطات المصرية.
وتابع حجاب: "وعد سارتر بأن يناقش مسألتنا مع السلطات وبالفعل فوجئنا ونحن في المعتقل استدعاء ثلاثة منا للقاء شعراوي جمعة أمين التنظيم ووزير الداخلية على ما أعتقد حينها وكنت أنا بينهم والأبنودي وكمال عطية وخذنا حوارًا معه حول فكرنا واتجاهاتنا وسألنا عن تحفظاتنا واعتراضاتنا على ثورة يوليو فتحدثنا عن كوننا نعترض على الثورة من الداخل لا من الخارج وتحدثت عن نمو القطاع الخاص من داخل القطاع العام بما يهدد بثورة مضادة مستقبلًا وتحدثت أيضًا عن الديمقراطية التي كانت شعارنا كتنظيم حينها فقال لنا أنا معاكم فيما تقولون والسيد الرئيس كذلك ولكن طبيعة المرحلة تقتضي ذلك، وبعدها بأربعة أيام خرجنا من المعتقل بعد قضاء ستة أشهر تقريبًا بالداخل".
وعن نكسة يونيو، يقول حجاب: "قبل الهزيمة كان لدينا إحساس أننا قادرون على عبور هذه المحنة وهو ما كانت توحي به الكلمات الواثقة الصادرة من القادة السياسيين والإعلاميين.. وخلال الحرب ذهبت مع عبد الرحمن الأبنودي وعطيات الأبنودي وغالب هلسا إلى منزل صديق كويتي حيث سمعنا إعلان عبد الناصر تنحيه فانخرطنا جميعًا في البكاء بكاء اليتامى، لم يبك غالب هلسا وسخر من دموعنا قائلًا: "بتعيطوا على إيه بكرة المظاهرات ستخرج في العواصم العربية تطالبه بالعودة"، وقبل أن ينهي هلس كلماته صرخ رجل عجوز من الشرفة المواجهة: "لا.. لا"، وما هي إلا دقائق حتى زحفت الجماهير تطالب عبد الناصر بالبقاء".
وأضاف حجاب: "أما السبعينيات فقد قضيت شطرًا كبيرًا منها في الخارج حيث تركت مصر أواخر عام 1969 متجهًا إلى سويسرا وفرنسا.. وعندما عدت إلى مصر بعد وفاة عبد الناصر وتولي السادات الحكم وبالتحديد مع بداية الثورة المضادة على الناصرية لم أكن قادرًا على العمل في التليفزيون بعرض عصافير الجنة ولم أتمكن من العمل مرة أخرى بمجلة روزا اليوسف فأسست فرقة مع الصديق الراحل المخرج طارق عبد اللطيف ضمت أحمد راتب وعهد صادق وسامي صلاح وسعاد نصر وأحمد عبد الوارث، حاولنا بما قدمناه على مسرح السامر المنهج نهجًا مسرحيًا جديدًا لكن توقفنا مع أحداث الطلبة لأن بعضنا اعتقل أيامها".
وعن تحول مسيرته للكتابة الدرامية يقول: طلب مني صديقي محمد فاضل 1978 أن أشارك بالأغاني في مسلسل "بابا عبده" الذي كتبه عصام الجمبولاطي المأخوذ عن "الملك لير" والذي قام بتمصيره ليصبح "أبنائي الأعزاء شكرًا".. حين بدأت كتابة الأغنية الدرامية كتبتها بحس الشاعر الملتزم سياسيًا بالوطن والإنسانية، وأذكر أنه بعد مقتل السادات في مسلسل "وقال البحر"، كتبت شعرًا غنائيًا حول خيانات في وسط الصيادين خيانات بعضهم بعضًا كانت في صلب الدراما ولكنها استقبلت كأنما هي تعليق على ما يحدث في الواقع".













0 تعليق