جمال حمدان وهوية مصر.. «الجد الفرعونى والأب العربى» وعبقرية المكان

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في إطار الاهتمام المتجدد بسؤال الهوية المصرية ومكوناتها التاريخية والثقافية، تستضيف مكتبة الإسكندرية مؤتمر «الهوية الوطنية»، لفتح نقاش حول الشخصية المصرية وجذورها وتحولاتها عبر العصور.

ويعيد المؤتمر طرح سؤال ظل حاضرًا في الفكر المصري الحديث: كيف تشكلت هوية مصر؟ وهل يمكن اختزالها في مكون واحد، أم أنها نتاج تراكم حضاري طويل؟ وفي هذا السياق تبرز رؤى مفكرين مثل المفكر الراحل الكبير جمال حمدان، اللذين قدما قراءتين مختلفتين، لكنهما التقتا في التأكيد على خصوصية الشخصية المصرية وارتباطها بتاريخها وجغرافيتها وتفاعلها المستمر مع محيطها.

حين تحدث المفكر والجغرافي جمال حمدان عن الهوية المصرية، لم ينظر إليها باعتبارها هوية أحادية يمكن اختزالها في أصل واحد أو انتماء واحد، وإنما حاول تفسيرها من خلال الجغرافيا والتاريخ والتراكم الحضاري، وفي موسوعته الشهيرة «شخصية مصر.. دراسة في عبقرية المكان»، قدم تصورًا يرى أن مصر تكونت من تفاعل عناصر متعددة، لكن موقعها الجغرافي ظل العامل الأهم في تشكيل شخصيتها واستمرارها عبر التاريخ.

 

مصر.. أكثر من مجرد موقع جغرافي

كان حمدان ينطلق من أن فهم المصريين لأنفسهم لا يمكن أن يتم بعيدًا عن فهم المكان الذي عاشوا فيه، فمصر تقع في نقطة التقاء قارات ومناطق حضارية كبرى، وتجمع بين الامتداد الأفريقي والاتصال الآسيوي والانفتاح على البحر المتوسط، فضلًا عن كونها قلب وادي النيل.

وقد تحدث حمدان عن أربعة أبعاد لمصر: الأفريقي، والآسيوي، والنيلي، والمتوسطي، لكنه ميز بين دوائر الانتماء ودوائر العلاقات، فمصر، في تصوره، ليست أفريقية أو آسيوية أو متوسطية بالمعنى الذي يلغي خصوصيتها، وإنما تتصل بهذه الدوائر جميعًا من موقعها المصري الخاص.

ولهذا كان يرى أن مصر لا يمكن وضعها بالكامل داخل أحد هذه الأطر، فهي، بحسب تعبيره، تنتمي إلى هذه الآفاق المختلفة دون أن تذوب في أي منها، بينما يظل جوهرها مصريًا في المقام الأول.

 

النيل.. العمود الفقري للشخصية المصرية

وفي قلب هذه الرؤية يأتي نهر النيل، الذي لم يكن بالنسبة إلى حمدان مجرد نهر، وإنما عنصرًا أساسيًا في تكوين المجتمع المصري.

فالنيل صنع واديًا زراعيًا ضيقًا ومحاطًا بالصحراء، وهو ما أدى إلى تركيز السكان في مساحة محدودة، وربط حياتهم بالزراعة والمياه والأرض، ومن هنا نشأت، في قراءة حمدان، وحدة جغرافية وبشرية قوية ساعدت على استمرار الشخصية المصرية عبر العصور.

وهذا ما يجعل «عبقرية المكان» عند حمدان ليست تعبيرًا أدبيًا فقط، فالمكان عنده فاعل في التاريخ، يؤثر في توزيع السكان والاقتصاد والعمران والعلاقات السياسية، وفي الطريقة التي تتشكل بها الدولة والمجتمع.

 

«الجد الفرعوني والأب العربي»

ومن أشهر الأفكار التي ارتبطت برؤية حمدان للهوية المصرية أنه لم يضع الحضارة المصرية القديمة في مواجهة العروبة والإسلام، بل رأى أن الشخصية المصرية الحديثة نتاج تراكم تاريخي، وأن دخول العرب والإسلام إلى مصر لم يعنِ اختفاء ما سبق، وإنما أضاف طبقة جديدة إلى شخصية تكونت عبر آلاف السنين.

ومن هنا جاءت عبارته الشهيرة «الجد الفرعوني والأب العربي»، التي استخدمها للتعبير عن تداخل البعد المصري القديم مع البعد العربي في الشخصية المصرية، وقد وصف حمدان الاستمرارية المصرية بأنها تراكمية وتراكبية، لا تقوم على بقاء عنصر واحد بصورة نقية ومنفصلة عن العناصر الأخرى.

وبهذا المعنى، لم يكن حمدان يرى أن المصري المعاصر إما «فرعوني» وإما «عربي»، بل إن التاريخ المصري، في تصوره، أنتج شخصية مركبة تتداخل فيها طبقات حضارية متعاقبة.

 

العروبة عند حمدان.. ثقافة وليست عرقًا

ومن النقاط الأساسية في تصور حمدان أنه لم يتعامل مع العروبة باعتبارها مفهومًا عرقيًا قائمًا على نقاء الدم، وإنما باعتبارها انتماءً ثقافيًا وحضاريًا.

ويرى أن المنطقة العربية نفسها شهدت حركة هجرات واختلاطًا سكانيًا طويلًا، وأن الفصل الحاد بين «العرب» و«السكان الأصليين» لا يعكس التعقيد التاريخي للمنطقة.

ولهذا ربط حمدان عروبة مصر باللغة والثقافة والتاريخ المشترك، مع تأكيده في الوقت نفسه على خصوصية الشخصية المصرية واستمرارها.

 

مصر أفريقية.. وآسيوية.. ومتوسطية

لم يكن حمدان يرى أن الاعتراف بعروبة مصر يتعارض مع موقعها الأفريقي، فمصر، في تصوره الجغرافي، أفريقية بالأساس من حيث موقعها القاري، لكنها تمتلك امتدادًا آسيويًا من خلال سيناء، وتتصل بالبحر المتوسط، بينما يشكل النيل العمود الفقري لوجودها الحضاري.

وهذه التركيبة جعلت مصر تاريخيًا منطقة تفاعل بين قوى وحضارات مختلفة، وهو ما يفسر، في رؤية حمدان، جانبًا من أهميتها الاستراتيجية، فمصر ليست دولة هامشية في أي من هذه الدوائر، وإنما تقع في نقطة تتقاطع عندها عدة دوائر، وهو ما منحها وزنًا يتجاوز مساحتها الجغرافية.

ومن الأفكار المهمة عند حمدان أن القول باستمرار الشخصية المصرية منذ العصور القديمة لا يعني أن مصر لم تتغير، فمصر تغيرت بالفعل بفعل الهجرات والغزوات والأديان واللغات والأنظمة السياسية والاقتصادية، لكن حمدان كان يرى أن هذه التغيرات لم تؤدِ إلى محو الشخصية المصرية، وإنما أضافت إليها طبقات جديدة.

ولهذا شبّه بعض الباحثين هذا التصور بفكرة التراكم والتراكب، فالمصري الحديث يحمل في ثقافته آثار عصور مختلفة، من مصر القديمة إلى المسيحية ثم الإسلام والعروبة، دون أن يعني ذلك أن كل طبقة ألغت ما قبلها.

 

مصر ليست جزيرة معزولة

وفي الوقت نفسه، لم يقدم حمدان مصر باعتبارها حضارة مغلقة على نفسها، فالجغرافيا المصرية نفسها جعلتها في اتصال دائم بمحيطها، كانت مصر تتفاعل مع بلاد الشام والعالم العربي وآسيا وأفريقيا والبحر المتوسط، وشهد تاريخها هجرات وتجارة وحروبًا وتبادلًا ثقافيًا مستمرًا.

لكن هذه التفاعلات، في نظر حمدان، لم تلغِ الخصوصية المصرية، وإنما ساهمت في تشكيلها، ومن هنا يمكن فهم فكرته عن الهوية باعتبارها هوية مفتوحة ومتراكمة، وليست هوية تقوم على العزلة أو النقاء العرقي والثقافي.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق