تحل اليوم ذكرى رحيل الزعيم أحمد عرابي ، إذ رحل عن عالمنا فى 21 سبتمبر عام 1911، وهو أحد أبرز الشخصيات فى تاريخ الحركة الوطنية المصرية فى القرن التاسع عشر، وارتبط اسمه بالثورة العرابية وما رفعته من مطالب تتعلق بالإصلاح والدستور والاستقلال. وفى كتابه «الزعيم الثائر أحمد عرابي»، لم يقدم المؤرخ عبد الرحمن الرافعي صورة أحادية لعرابي، وإنما حاول تحليل شخصيته من خلال ما اجتمع فيها من مزايا ونقائص، وما كان لها من أثر فى مسار الثورة ونتائجها.
ويصف الرافعي عرابي بأنه كان صاحب شخصية قوية وجذابة، تمتلك قدرة واضحة على التأثير في الأفراد والجماعات، وهي إحدى أهم صفات الزعماء، بحسب تحليله. ويرى أن هذه الموهبة هي التي مكنت عرابي من اجتذاب ضباط الجيش وجمهرة من أبناء الأمة، والحصول على ثقتهم والتأثير فيهم.
كما يشير الرافعي إلى امتلاك أحمد عرابي موهبة الخطابة والكلام والصوت الجهوري، وهي عوامل ساعدت على اتساع تأثيره الشعبي، مؤكدًا أن خطبه كان لها تأثير كبير في نفوس مستمعيه. والأهم من ذلك، وفق قراءة الرافعي، أن عرابي كان يريد الخير لمصر، وأن دعوته قامت على الرغبة في تحقيق الحرية والاستقلال للبلاد.
لكن هذه الجوانب الإيجابية، في رؤية الرافعي، لم تكن كافية لصناعة زعيم قادر على إدارة ثورة في ظروف سياسية وعسكرية بالغة التعقيد؛ إذ يرى أن عرابي لم يكن يتمتع بالقدر نفسه من الكفاية السياسية وبعد النظر، وهو ما انعكس على بعض قراراته ومواقفه.
ويربط الرافعي ذلك بنشأة عرابي وتكوينه؛ فقد كان ضابطًا لم يتخرج في المدارس الحربية أو المدنية، ولم يحصل على تعليم متقدم يمكنه من الإلمام الكافي بشؤون السياسة وتطوراتها. كما أن ما تلقاه في الأزهر، بحسب الرافعي، اقتصر على قدر من العلوم الفقهية واللغوية وبعض المطالعات الأدبية والصحف الوطنية، وهو ما اعتبره المؤرخ محصولًا علميًا محدودًا بالنسبة إلى رجل وجد نفسه في قلب أزمة سياسية وثورة تتعامل مع قوى داخلية وخارجية شديدة التعقيد.
بين عرابي وغاريبالدي
ويعقد الرافعي مقارنة بين عرابي وبعض الزعماء الذين قادوا حركات سياسية وعسكرية في بلدان أخرى، مشيرًا إلى أن قلة التحصيل العلمي والسياسي ليست بالضرورة سببًا كافيًا لفشل الزعيم، لأن الظروف السياسية وطريقة إدارة الحركة تلعب دورًا كبيرًا.
ويشير تحديدًا إلى غاريبالدي، الذي يرى أن عرابي كان يشبهه في محدودية المحصول العلمي والسياسي، لكنه يختلف عنه في أن غاريبالدي كان يترك للسياسيين تصريف المعضلات السياسية، بينما كان عرابي، بحسب الرافعي، يميل إلى الاعتماد على نفسه والاعتقاد بقدرته على إدارة الشؤون السياسية كافة.
ويرى المؤرخ أن استعانة عرابي بأحد السياسيين البارزين في عصره، مثل شريف باشا، كان يمكن أن تمنح الثورة خبرة سياسية أكبر، لكنه يذكر أن عرابي عمل في المقابل على إبعاد شريف عن الوزارة.
الغرور وحسابات الحرب
ومن أبرز الانتقادات التي يوجهها الرافعي إلى عرابي ما يعتبره غرورًا سياسيًا وعسكريًا. ويستشهد بمواقف وتصريحات نسبت إليه في الفترة التي سبقت المواجهة مع الإنجليز، ومنها اعتقاده بأن القوات المصرية والتحصينات قادرة على مقاومة الإنجليز بل ومواجهة قوى أوروبية أخرى لفترة طويلة.
ويشير الرافعي إلى اعتقاد عرابي وأنصاره بأن قوة بريطانيا تتركز في البحر، وأن الإنجليز لا يستطيعون خوض حرب برية في مصر، وهو ما عبّروا عنه بعبارتهم الشهيرة: «الإنجليز كالسمك.. إذا خرج من البحر هلك». ويرى الرافعي أن هذه التقديرات كشفت عن سوء تقدير لطبيعة القوة البريطانية.
ولا يكتفي الرافعي بالنقد السياسي، بل يتناول أيضًا الجانب العسكري في شخصية عرابي، موضحًا أنه لم يحصل على تدريب عسكري نظامي بالقدر الذي يؤهله لقيادة العمليات الكبرى، ولم تكن له خبرة واسعة في ميادين القتال.
ويذكر أن عرابي لم يتولَّ القيادة الفعلية في عدد من أهم المعارك، فعند الانسحاب إلى كفر الدوار عهد بقيادة الجيش إلى طلبة باشا عصمت، وفي معركة القصاصين أوكل القيادة إلى راشد باشا حسني وعلي باشا فهمي، بينما ترك قيادة معركة التل الكبير إلى علي باشا الروبي.
لماذا أخفقت الثورة العرابية؟
ويخصص الرافعي جزءًا مهمًا من كتابه لتحليل أسباب إخفاق الثورة العرابية، معتبرًا أن الهزيمة لم تكن نتيجة عامل واحد، وإنما حصيلة مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية.
وفي مقدمة العوامل الداخلية يأتي الانقسام بين العرابيين والخديو توفيق، والذي أدى إلى انقسام البلاد إلى معسكرين، أحدهما مؤيد للثورة والآخر للخديو. ويرى الرافعي أن هذا الانقسام أضعف البلاد وفتح الباب أمام التدخل الأجنبي، خصوصًا أن الإنجليز استطاعوا استخدام مسألة الدفاع عن سلطة الخديو ذريعة للتدخل في مصر.
ويذهب الرافعي إلى أن المشكلة لم تكن في مجرد وقوع الخلاف بين الثورة والخديو، لأن الثورة نفسها نشأت في سياق هذا الصدام، وإنما في عدم نجاح العرابيين بعد تحقيق بعض مطالبهم في معالجة الخلاف بالحكمة والعمل على توحيد الصف. ويرى أن اتساع الشقاق ووصول الأمر إلى الحديث عن خلع الخديو زاد من تعقيد الوضع السياسي.
ثم يضع الرافعي نقص الخبرة السياسية بين أسباب الإخفاق، ويرى أن الثورة افتقرت كذلك إلى الكفاية الحربية، مستشهدًا بعدم اتخاذ قرار سد قناة السويس عند بداية القتال، معتبرًا أن هذا القرار كان يمكن أن يمنح القوات المصرية وقتًا أطول لتنظيم الدفاع.
التل الكبير.. اللحظة الفاصلة
ويولي الرافعي أهمية خاصة لموقف عرابي في معركة التل الكبير، وكذلك ما تلاها من تسليم ومحاكمة، ويرى أن هذه المرحلة كان لها تأثير كبير في انهيار الثورة.
ففي نظره، لم تكن المشكلة في الهزيمة العسكرية وحدها، إذ إن ثورات الشعوب قد تُهزم عسكريًا رغم ما تبذله من تضحيات، وتتحول هزيمتها إلى صفحة مشرقة من تاريخ الكفاح. لكن الرافعي يرى أن طريقة انتهاء الثورة العرابية، وموقف قادتها في لحظة الخطر، أضعفا روح المقاومة.
ويعتبر أن موقف الزعيم في اللحظات الحاسمة يترك أثرًا في الأمة التي يقودها؛ فمواقف الشجاعة والتضحية يمكن أن تبعث روح المقاومة، بينما تؤدي مواقف التسليم والخضوع إلى إضعافها. ومن هنا يرى الرافعي أن استمرار المقاومة بعد التل الكبير كان يمكن أن يمنح الثورة مسارًا مختلفًا حتى لو انتهت في النهاية بالهزيمة.
الاحتلال البريطاني والعوامل الخارجية
ولا يغفل الرافعي الدور الخارجي في سقوط الثورة، بل يراه عاملًا حاسمًا في النتيجة النهائية. ويتحدث عن المطامع الاستعمارية الأوروبية، ولا سيما البريطانية والفرنسية، في مصر، وعن موقف الدولتين من الحركة الوطنية ومن فكرة إقامة حكومة دستورية.
ويشير إلى أن التدخل الأوروبي سبق المواجهة العسكرية المباشرة، من خلال الضغوط السياسية والمذكرات والتدخل في شؤون الحكم، ثم انتهى الأمر بإرسال الأساطيل إلى الإسكندرية والتدخل العسكري البريطاني.
كما يرى أن موقف الدولة العثمانية كان من العوامل التي أضعفت الثورة، خاصة مع إعلانها عصيان عرابي في الوقت الذي كانت فيه الحرب دائرة، وهو ما اعتبره الرافعي ضربة قوية للحركة العرابية ودعمًا للحملة البريطانية.
وفي النهاية، يخلص الرافعي إلى أن العوامل التي أحاطت بالثورة كانت شديدة التعقيد، وأن العوامل الخارجية، في تقديره، كانت أقوى من العوامل الداخلية في إخفاق الثورة العرابية1













0 تعليق