فى كل مرة تندلع فيها حرب أو تتعرض مدينة تاريخية للدمار، تواجه المكتبات والمخطوطات والوثائق القديمة خطرًا يمتد أثره إلى أجيال لم تشهد تلك الأحداث، إذ تحمل صفحات الكتب وسجلات المؤسسات تفاصيل الحياة اليومية والمعارف العلمية والأعمال الأدبية والحكايات التى دونها البشر عبر القرون، وتكشف عن تاريخ المدن والشعوب من خلال ما تركه أصحابها من نصوص ووثائق وشهادات، لتصبح حماية هذه المجموعات جزءًا أساسيًا من الحفاظ على التراث الإنسانى.
وتكشف حكايات المكتبات التاريخية التى تعرضت للدمار عن صور مختلفة لفقدان المعرفة، من مكتبة الإسكندرية القديمة التى لا تزال ظروف اختفاء مجموعاتها محل بحث تاريخى، إلى خزائن الكتب فى بغداد التى تضررت خلال الغزو المغولى عام 1258، وصولًا إلى المكتبة الوطنية والجامعية فى البوسنة والهرسك، التى احترقت خلال حصار سراييفو عام 1992، فضلًا عن المجموعات التى تعرضت للنهب والحريق خلال غزو العراق عام 2003.
وتتيح هذه الوقائع تتبع مصير الكتب والمخطوطات، والتمييز بين ما تؤكده المصادر التاريخية وما انتقل عبر القرون من روايات تحتاج إلى مراجعة وتوثيق.
مكتبة الإسكندرية.. هل احترقت جميع كتب العالم القديم فى حريق واحد؟
ارتبطت مكتبة الإسكندرية القديمة بإحدى أشهر حكايات ضياع المعرفة فى التاريخ، بعدما تحولت قصة احتراقها إلى رمز لفقدان الكتب والمخطوطات التى جمعها العلماء والباحثون عبر قرون، ومع ذلك، تشير الدراسات التاريخية إلى أن اختفاء المكتبة كان عملية أكثر تعقيدًا من الرواية الشائعة التى تختزل مصيرها فى حريق واحد، إذ تعرضت الإسكندرية لسلسلة من الاضطرابات والحروب والتحولات السياسية التى أثرت فى مؤسساتها العلمية والثقافية.
نشأت المكتبة فى العصر البطلمى، خلال القرن الثالث قبل الميلاد، فى إطار مشروع طموح لجمع المؤلفات والمعارف من أنحاء العالم القديم، وأصبحت جزءًا من المؤسسة العلمية المعروفة باسم «الموسيون»، التى ارتبطت بالدراسة والبحث وتبادل المعرفة بين العلماء.
واشتملت مجموعاتها على لفائف البردى التى ضمت مؤلفات فى الأدب والفلسفة والعلوم والطب والرياضيات والتاريخ، وأسهم العلماء العاملون بها فى نسخ النصوص وتصنيفها وإعداد فهارس تساعد على الوصول إليها. ومن أبرز هؤلاء الشاعر والعالم كاليماخوس، الذى ارتبط اسمه بإعداد فهرس ضخم لمحتويات المكتبة، عُرف باسم «البيناكس»، وأسهم فى تطوير أساليب تنظيم المؤلفات وتصنيفها.
وتعود إحدى أشهر الوقائع المرتبطة بتضرر مكتبة الإسكندرية إلى عام 48 قبل الميلاد، عندما اندلع حريق فى منطقة الميناء أثناء وجود يوليوس قيصر فى المدينة، على خلفية الصراع السياسى والعسكرى الذى شهدته مصر فى نهاية العصر البطلمى.
وتشير الروايات القديمة إلى امتداد النيران إلى منشآت قريبة من الميناء، واحتمال تضرر مجموعات من الكتب المحفوظة فى مخازن المنطقة. ويختلف الباحثون بشأن حجم الخسائر التى لحقت بالمكتبة نفسها، ومدى تأثير الحريق فى استمرار نشاطها العلمى خلال العقود التالية.
وقد ارتبط اختفاء المكتبة لاحقًا بأحداث أخرى، من بينها الاضطرابات التى شهدتها المدينة خلال العصر الرومانى، وتدمير معبد السرابيوم فى أواخر القرن الرابع الميلادى، وهو المعبد الذى ارتبط بمكتبة أخرى فى الإسكندرية القديمة.
وتكشف مراجعة هذه الأحداث عن صعوبة تحديد واقعة واحدة بوصفها السبب المؤكد لاختفاء جميع مجموعات المكتبة.
بغداد عام 1258.. ماذا حدث لخزائن الكتب خلال الغزو المغولى؟
بعد قرون من ازدهار الإسكندرية، أصبحت بغداد واحدة من أهم مراكز العلم والتأليف والترجمة فى العالم الإسلامى، واحتضنت المكتبات وخزائن الكتب التى جمعت مؤلفات العلماء فى الطب والفلك والرياضيات والفلسفة والأدب واللغة والعلوم الدينية.
وارتبط عصر ازدهار الحركة العلمية فى بغداد ببيت الحكمة، الذى نشأ فى العصر العباسى، وارتبط بجمع الكتب وترجمة المؤلفات ونقل المعارف بين اللغات والثقافات المختلفة. وشهدت المدينة أيضًا انتشار المكتبات العامة والخاصة ومجموعات الكتب التى احتفظ بها العلماء والأدباء والمؤسسات الدينية والتعليمية.
وفى عام 656 هجرية، الموافق 1258 ميلادية، تعرضت بغداد للغزو المغولى بقيادة هولاكو، وسقطت الخلافة العباسية فى المدينة، وتعرضت منشآت علمية وثقافية للنهب والتدمير، إلى جانب الخسائر البشرية والعمرانية التى خلفها الغزو.
وتناولت الدراسات التاريخية مصير مكتبات بغداد خلال هذه الأحداث، وما تعرضت له مجموعات الكتب والمخطوطات من تلف وضياع، مع استمرار البحث فى حجم الخسائر الفعلية وطبيعة المؤسسات العلمية التى كانت قائمة عند سقوط المدينة.
ومن أشهر الروايات التى ارتبطت بالغزو المغولى حكاية إلقاء الكتب فى نهر دجلة، حتى تحولت مياهه إلى اللون الأسود بفعل الحبر، وهى صورة تكررت فى كتب التاريخ والمؤلفات التى تناولت سقوط بغداد.
غير أن هذه الحكاية لا تصلح دليلًا ماديًا على حجم الكتب التى فقدت، وتتعامل الدراسات الحديثة معها باعتبارها من الصور الأدبية المرتبطة بوصف الكارثة، مع التمييز بين الخسائر التاريخية التى لحقت بالمكتبات والتفاصيل التى أضافتها الروايات المتأخرة.
وقدمت المؤرخة ميخال بيران، فى دراسة بعنوان «المكتبات والكتب وانتقال المعرفة فى بغداد الإيلخانية»، نشرت عام 2019 فى دورية Journal of the Economic and Social History of the Orient، قراءة تاريخية لحياة الكتب والمكتبات فى بغداد بعد الغزو المغولى، اعتمادًا على كتب التراجم العربية وسجلات تداول الكتب وقوائم المؤلفات.
وأظهرت الدراسة استمرار النشاط العلمى وتداول المعرفة فى بغداد خلال العصر الإيلخانى، وهو ما يفتح بابًا لفهم أكثر دقة لتاريخ المدينة، يجمع بين دراسة الخسائر التى تعرضت لها مؤسساتها العلمية وتتبع مظاهر استمرار الحياة الفكرية بعدها.
سراييفو عام 1992.. عندما تحول مبنى المكتبة إلى كتلة من النيران
فى ليلة 25 أغسطس 1992، تعرض مبنى المكتبة الوطنية والجامعية فى البوسنة والهرسك لقصف خلال حصار سراييفو، ما أدى إلى اندلاع حريق هائل فى المبنى التاريخى المعروف باسم «فييتشنيتسا»، الذى كان يحتضن مجموعات واسعة من الكتب والمخطوطات والوثائق التاريخية.
وامتدت النيران إلى محتويات المكتبة، بينما حاول الموظفون ورجال الإطفاء والمتطوعون إنقاذ ما يمكن إخراجه من المبنى، رغم استمرار القصف والظروف الخطرة التى أحاطت بعمليات الإطفاء والإنقاذ.
وتشير بيانات الاتحاد الدولى لجمعيات ومؤسسات المكتبات «إفلا» إلى أن الحريق أدى إلى فقدان نحو مليونى مادة مكتبية، شملت كتبًا ودوريات ومجموعات خاصة ووثائق تاريخية، كانت تمثل جزءًا من التراث الثقافى للبوسنة والهرسك.
وقدرت المؤسسة عدد المواد التى أُنقذت من المجموعات الخاصة بنحو 19 ألفًا و700 مادة، من أصل 200 ألف مادة كانت تضمها هذه المجموعات قبل الحريق، وشملت المواد الناجية مخطوطات وخرائط ورسومًا وبطاقات بريدية وأرشيفات شخصية ووثائق أصلية تعود إلى مراحل مختلفة من تاريخ البلاد.
وكانت المكتبة تضم مجموعات توثق التاريخ الثقافى والاجتماعى للبوسنة والهرسك، بما فى ذلك مؤلفات ووثائق تعكس التنوع الدينى واللغوى والثقافى الذى عرفته المنطقة خلال العصور المختلفة.
وبعد الحريق، واصل العاملون بالمكتبة جهودهم للحفاظ على المجموعات الناجية وإعادة تنظيمها، واتخذوا مقرات مؤقتة لاستمرار أنشطة المؤسسة، إلى جانب تلقي مساعدات مهنية ودعم من مؤسسات المكتبات الدولية.
وفى مايو 2014، أعيد افتتاح مبنى «فييتشنيتسا» بعد أعمال ترميم استمرت سنوات، ليستعيد أحد أبرز معالم سراييفو التاريخية، بينما استمرت المكتبة الوطنية والجامعية فى أداء مهامها من مقر آخر.
وتوضح جامعة سراييفو أن إعادة افتتاح المبنى التاريخى لم تعن عودة مجموعات المكتبة إليه، إذ ظل المبنى يستخدم للفعاليات المدنية والثقافية والمعارض، فى حين واصلت المؤسسة المكتبية عملها خارج مقرها التاريخى.

حريق المكتبة الوطنية في سراييفو – 1992
مكتبة غازى خسرو بك.. مخطوطات نجت من حصار سراييفو
وفى المدينة نفسها، تقدم مكتبة غازى خسرو بك حكاية أخرى عن إنقاذ الكتب والمخطوطات خلال الحرب، إذ اتخذ القائمون عليها قرارًا بنقل مجموعاتها من مقرها التاريخى عام 1992، بعد اندلاع الحرب فى البوسنة والهرسك.
وتوضح جامعة سراييفو أن مجموعات المكتبة نُقلت بين عدة مواقع داخل المدينة خلال سنوات الحرب، حرصًا على حمايتها من القصف والدمار، وهو ما ساعد على الحفاظ عليها كاملة.
وتضم المكتبة مجموعات من الكتب والمخطوطات العربية والتركية والفارسية والبوسنية، من بينها أكثر من 10 آلاف و500 مجلد مخطوط، تحتوى على نحو 20 ألف عمل فى العلوم الإسلامية والأدب والفلسفة والمنطق والتاريخ والطب والرياضيات والفلك وغيرها من المعارف.
وتكشف تجربة المكتبة عن أهمية إجراءات الحماية الاستباقية ونقل المجموعات التراثية إلى أماكن أكثر أمانًا عند تعرضها للخطر، إذ يمكن أن يسهم اختيار مواقع الحفظ المناسبة وتوزيع المجموعات فى حماية الوثائق والكتب التى يصعب تعويضها بعد فقدانها.
بغداد عام 2003.. كيف أنقذ العراقيون 50 ألف مخطوطة من الدمار؟
شهدت بغداد فصلًا آخر من تاريخ إنقاذ الكتب والمخطوطات خلال الغزو الأمريكى للعراق عام 2003، عندما تعرض مبنى دار الكتب والوثائق الوطنية العراقية لحرائق وأعمال نهب، ما أثار مخاوف واسعة بشأن مصير المجموعات التاريخية التى احتفظت بها المؤسسة.
وفى أكتوبر من العام نفسه، أوفدت مكتبة الكونجرس الأمريكى بعثة متخصصة إلى بغداد لتقييم الأضرار التى لحقت بالمكتبة الوطنية ومجموعاتها، وتحديد احتياجات الترميم والحفظ، بعدما ترددت تقارير عن احتراق أعداد كبيرة من الكتب والمخطوطات النادرة.
وكشفت البعثة عن نجاة أجزاء مهمة من مجموعات المكتبة الوطنية، بفضل الإجراءات التى اتخذها أمناء المكتبات والعاملون بها خلال الحرب، ومن بينها إغلاق مخازن الكتب وحماية المجموعات الموجودة داخلها.
وأظهرت نتائج المعاينة أن الحرائق التى اندلعت يومى 10 و14 أبريل 2003 دمرت مجموعات من الوثائق الحكومية الحديثة، بينما نجت مخازن الكتب الرئيسية من النيران، رغم الأضرار التى لحقت بالمبنى والمرافق المحيطة بها.
أما أكثر الحكايات ارتباطًا بإنقاذ التراث العراقى، فتمثلت فى نجاح العاملين بدار المخطوطات فى نقل نحو 50 ألف مخطوطة إلى ملجأ داخل أحد الأحياء السكنية فى بغداد، قبل بدء العمليات العسكرية بنحو عشرة أيام.
ووضعت المخطوطات داخل صناديق معدنية لحمايتها، بينما شارك سكان المنطقة فى تأمين مكان الحفظ، وجمعوا الأموال اللازمة للاستعانة بحراس لحماية المجموعات التاريخية من السرقة أو التخريب.

حريق المكتبة الوطنية العراقية – بغداد 2003
ووثقت بعثة مكتبة الكونجرس هذه العملية خلال زيارتها لبغداد، بعدما عاين أعضاؤها المخطوطات المحفوظة داخل الملجأ، والتى يعود تاريخ بعضها إلى القرن العاشر الميلادى، وتمتد مجموعاتها حتى القرن التاسع عشر.
كما ساعد رجال دين ومتطوعون عراقيون فى نقل نحو 200 ألف كتاب، إلى جانب معدات المكتبة الوطنية، إلى المساجد والمنازل لحفظها خلال فترة الاضطرابات، قبل إعادة المجموعات والمعدات إلى المؤسسة.
وقد وثقت البعثة عمليات إعادة الكتب إلى المكتبة، مؤكدة الدور الذى أداه العاملون بالمؤسسة وأفراد المجتمع المحلى فى حماية التراث الوثائقى العراقى خلال تلك الفترة.










0 تعليق