لماذا كره أفلاطون هوميروس وانتقد الإلياذة والأوديسة؟

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

لم يكن أفلاطون ينظر إلى "الإلياذة" و"الأوديسة" باعتبارهما مجرد ملحمتين أدبيتين، بل رأى أن القصص التي يسمعها الأطفال في سنواتهم الأولى يمكن أن تؤثر في تكوين شخصياتهم وأحكامهم الأخلاقية، ولذلك انتقد هوميروس بشدة في كتابه “الجمهورية”، وطالب بإخضاع الشعر لمعايير أخلاقية صارمة داخل مدينته المثالية.

ويرى أفلاطون، من خلال حوار سقراط في الكتابين الثاني والثالث من “الجمهورية”، أن التربية تبدأ بالقصص والموسيقى قبل أن يصبح الشباب قادرين على التفكير المنطقي وإدراك الحجج، ولذلك لا ينبغي ترك القصص التي تقدم لهم دون ضوابط.

هوميروس أمام محاكمة أفلاطون

كان هوميروس الهدف الأبرز لنقد سقراط للشعراء في “الجمهورية”، بسبب الطريقة التي صور بها الآلهة والأبطال في ملاحمه.

وينتقد أفلاطون القصص التي تظهر الآلهة في حالة خصام أو تغير دائم أو خداع، ويرى أن هذه الصور تقدم نماذج غير صالحة للأطفال، خصوصًا أن الإله، وفق تصوره، ينبغي أن يُقدم باعتباره خيرًا وثابتًا وغير مخادع.

ولهذا يقترح استبعاد القصص التي يظهر فيها الآلهة وهم يضحكون بصورة منفلتة أو يبكون أو يخدعون الآخرين أو يرتكبون أفعالًا إجرامية، لأن مثل هذه الحكايات، في رأيه، يمكن أن تؤثر في الطريقة التي يتعلم بها الصغار معنى التقوى والشجاعة وضبط النفس.

ولا يقتصر اعتراض أفلاطون على مضمون القصص، بل يرتبط بتصوره لطبيعة الإنسان نفسها، فالطفل قبل أن تتطور لديه القدرة على التفكير النقدي، يتأثر بالصور والنماذج التي تقدمها له الحكايات.

أفلاطون والقصص الأولى التي يسمعها الطفل

يرى أفلاطون أن التعليم يبدأ بالموسيقى والأساطير قبل الرياضيات والجدل الفلسفي، لأن الشباب يميلون إلى امتصاص الأنماط والصور قبل امتلاك القدرة على تقييم الأفكار التي تقف وراءها.

ومن هنا تصبح عملية اختيار القصص جزءًا أساسيًا من بناء الشخصية في مدينته المثالية، ولذلك أراد أن يراقب مؤسسو المدينة ما يُسمح بتداوله من الأعمال الأدبية، بحيث تقدم القصص نماذج أخلاقية مناسبة، ولا تجعل الشخصيات السيئة أو الآلهة المخادعة تبدو جديرة بالإعجاب.

هل سمح أفلاطون بالكذب؟

تظهر في "الجمهورية" انتقادات أفلاطون للروايات غير الحقيقية التي تقدم نماذج أخلاقية سيئة، لكنه يسمح في المقابل، في ظروف محددة، باستخدام قصة سياسية تخدم مصلحة المدينة.

ومن أشهر الأمثلة ما يعرف باسم “الكذبة النبيلة”، وهي حكاية تقترحها شخصية سقراط في الكتاب الثالث من “الجمهورية”، وتجمع بين أسطورة نشأة المواطنين من الأرض و”أسطورة المعادن”، بهدف تعزيز شعورهم بالأخوة وقبول الأدوار المختلفة داخل المجتمع.

ولا يقدم أفلاطون هذا الأمر باعتباره ترخيصًا مفتوحًا للكذب، وإنما كاستثناء محدود تملكه سلطة المدينة عندما ترى أن الرواية تخدم استقرار المجتمع وتكوّن فضائله.

لماذا عاد أفلاطون إلى الشعر في نهاية الجمهورية؟
 

في الكتاب العاشر، يعود أفلاطون إلى قضية الشعر من زاوية أخرى، وهي علاقته بالحقيقة والنفس البشرية.
ويرى أن الشعر المحاكي، أو ما يسميه “المحاكاة” (Mimesis)، يبتعد عن الحقيقة لأنه يقلد الأشياء بدل الوصول إلى حقيقتها، كما أنه قد يثير الجوانب غير العقلانية في النفس ويضعف سيطرة العقل.

ولهذا يدعو إلى استبعاد الشعر المحاكي على نطاق واسع من مدينته المثالية، مع استثناء الترانيم الموجهة إلى الآلهة والأشعار التي تمجد الرجال الفاضلين.

ويظل هذا الحكم مشروطًا، إذ يترك أفلاطون الباب مفتوحًا أمام الشعراء إذا استطاعوا إثبات أن أعمالهم تحقق فائدة حقيقية للنفس وللشخصية.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق