لم تتوقف الأسئلة حول القدرات الهندسية للمصريين القدماء عند حدود ما هو معروف عن أدواتهم وأساليب البناء، إذ ظهرت على مدار العقود فرضيات تحاول تفسير الدقة اللافتة التي وصلت إليها بعض المنشآت والتماثيل والأعمال الحجرية المصرية القديمة. ومن أبرز أصحاب هذه الفرضيات المهندس والباحث كريستوفر دن، الذي طرح في كتابه «التكنولوجيا المفقودة في مصر القديمة» رؤية تقول إن المصريين القدماء ربما امتلكوا تقنيات هندسية متقدمة اندثرت مع مرور الزمن ولم تصل تفاصيلها كاملة إلى العصر الحديث.
ويركز دن في كتابه على مجموعة من الآثار والمنشآت المصرية، محاولًا قراءة آثار العمل الموجودة على الأحجار الضخمة باعتبارها أدلة على تقنيات ربما تجاوزت الأدوات اليدوية البسيطة التي تُنسب عادة إلى المصريين القدماء. وينطلق في ذلك من سؤال أساسي: هل تكفي الأدوات التقليدية المعروفة لتفسير المستوى الذي وصلت إليه بعض الأعمال الحجرية المصرية؟
دقة الأحجار الضخمة تثير التساؤلات
يبدأ دن من دراسة الأحجار المستخدمة في المعابد والتماثيل والمنشآت العملاقة، ويتوقف بصورة خاصة عند مستوى الدقة والتماثل الذي يظهر في عدد من الأعمال الحجرية.
ويرى أن بعض الأسطح والكتل والتماثيل تتميز بدرجات عالية من الانتظام والدقة، ويستشهد بما يعتبره تماثلًا هندسيًا شديدًا في عدد من القطع، معتبرًا أن الوصول إلى هذه النتائج قد يشير إلى استخدام وسائل وأدوات أكثر تعقيدًا مما هو مفترض في التصورات التقليدية عن التكنولوجيا المصرية القديمة.
ويولي الكتاب اهتمامًا خاصًا للأعمال الضخمة، ومن بينها تماثيل الملوك والمسلات، حيث يرى دن أن التعامل مع أحجار بهذا الحجم والوزن، ثم تشكيلها بهذه الدقة، يتطلب منظومة متكاملة من المعرفة الهندسية والميكانيكية، وليس مجرد قوة بشرية وأدوات بدائية.
آثار القطع والحفر.. هل تكشف عن أدوات غير معروفة؟
ومن أكثر النقاط التي يركز عليها كريستوفر دن آثار القطع والنحت والحفر الموجودة على الأحجار. ويشير إلى أن بعض هذه الآثار، من وجهة نظره، تشبه النتائج التي يمكن أن تنتج عن استخدام المناشير أو أدوات الحفر عالية السرعة.
وبناءً على ذلك، يطرح الباحث احتمال استخدام المصريين القدماء تقنيات ميكانيكية أكثر تقدمًا من الأدوات التي وصلت إلينا أو التي جرى التعرف عليها أثريًا حتى الآن.
ولا يكتفي دن بالحديث عن القدرة على قطع الحجر، وإنما يهتم أيضًا بطريقة تشكيله وإنتاج الأسطح المتناسقة والأشكال الهندسية المتكررة. فوجود أعمدة وتماثيل وعناصر معمارية متشابهة بدرجة كبيرة من الدقة يدفعه إلى التساؤل حول الأدوات التي استخدمت لتحقيق هذا المستوى من التكرار والتماثل.
ويربط دن بين هذه الملاحظات وبين احتمال وجود معرفة متقدمة بمبادئ الهندسة والميكانيكا، ربما لم تصل إلينا بصورة كاملة بسبب ضياع الأدوات أو اندثار المعرفة التقنية المرتبطة بها.
المعابد.. هندسة تتجاوز البناء
ولا تقتصر أطروحة الكتاب على الأدوات، إذ يتناول كذلك تصميم عدد من المعابد والمنشآت المصرية الكبرى، ومن بينها الكرنك وأبو سمبل، محاولًا تحليل العلاقات الهندسية والفلكية التي تظهر في تخطيطها.
ويرى دن أن بعض المحاذاة الدقيقة للمنشآت واتجاهاتها تتطلب معرفة متقدمة بالحساب والهندسة والفلك، خاصة عندما تتداخل حركة الشمس مع تصميم المبنى أو تحديد اتجاهاته.
ومن هذه الزاوية، لا ينظر الكتاب إلى المعابد باعتبارها مجرد منشآت دينية، وإنما باعتبارها أيضًا نتاجًا لعلوم تطبيقية متقدمة، شارك فيها مهندسون وبناؤون وحرفيون امتلكوا خبرة تراكمية في القياس والتخطيط والتنفيذ.
كيف تعامل المصريون مع الأحجار الثقيلة؟
ومن الأسئلة الأخرى التي يناقشها الكتاب الطريقة التي تمكن بها المصريون من نقل الأحجار الثقيلة وتحريكها ووضعها في مواقعها.
ويطرح دن احتمال أن تكون لدى المصريين تقنيات أو وسائل ميكانيكية ساعدتهم على تقليل الجهد اللازم لتحريك الكتل الحجرية الضخمة، بدلًا من الاعتماد فقط على القوة البشرية والوسائل البسيطة.
وتقود هذه الفكرة إلى إعادة النظر في مفهوم «التكنولوجيا القديمة» نفسه؛ فالتكنولوجيا لا تعني بالضرورة وجود آلات تشبه الآلات الحديثة، وإنما يمكن أن تشمل منظومة من الأدوات وطرق الرفع والنقل والقياس والمعالجة التي تحقق نتائج دقيقة باستخدام مبادئ ميكانيكية بسيطة أو مركبة.
هل كانت هناك «تكنولوجيا مفقودة» فعلًا؟
النتيجة التي يصل إليها دن في كتابه هي أن الحضارة المصرية القديمة ربما امتلكت معارف وتقنيات هندسية أكثر تقدمًا مما تسمح به الأدلة التي نعرفها اليوم، وأن جزءًا من هذه المعرفة ربما فُقد مع مرور آلاف السنين.
ومن هنا يدعو إلى إعادة فحص الآثار المصرية ليس فقط باعتبارها أعمالًا فنية أو معمارية، وإنما باعتبارها منتجات لتقنيات صناعية وهندسية يمكن أن تكشف عن مستوى مختلف من المعرفة لدى المصريين القدماء.
لكن فرضية دن تظل نظرية محل نقاش وليست حقيقة أثرية محسومة. فوجود أعمال حجرية بالغة الدقة لا يعني تلقائيًا أن أصحابها استخدموا آلات حديثة أو تقنيات صناعية مماثلة لما نعرفه اليوم، كما أن تفسير آثار الأدوات على الأحجار يحتاج إلى مقارنتها بالأدلة الأثرية المباشرة وبالأدوات التي عُثر عليها فعلًا.
















0 تعليق