خالد دومة يكتب: حارس الأرواح

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

1
كنت أضع طاولة الشاي على حافة الجسر، واتخذت منها مكانًا دائمًا لي. أجلس على حجر، وأنصب عدة الشاي، وأشعل عين البوتاجاز، وأغلي الماء، وأعد الأكواب وأغسلها جيدًا، ثم أنتظر.
مرّ بي الكثير من الناس. كان بعضهم يجلس قريبًا مني على أحجار وضعتها لمن أراد أن يشرب الشاي، وبعضهم يأخذ كوبه في كوب بلاستيكي ويرحل. لم تكن جلسة الشاي تستغرق أكثر من دقائق قليلة؛ عابرون يريدون أن يتناولوا كوبًا من الشاي ثم يمضوا في طريقهم.
كان بعضهم يأتي وقد اشتكى من الصداع، فيتناول الكوب ويرتشف أول رشفة، ثم يبدأ الحديث معي؛ ربما عن عمله، أو عن عدد أولاده وأعمارهم، أو عن حياته، وكيف يعيش من عمله الذي لا يدر عليه دخلًا يكفيه.
وبعضهم كان يتأمل النهر طوال الدقائق التي يقضيها في شرب الشاي؛ ينظر إلى الماء، أو إلى الشمس في وقت الأصيل وهي ترسل أشعتها على صفحة النهر.
وجوه كثيرة مرت أمامي.
كان منهم من لا ينبس بكلمة؛ يشرب صامتًا، يحاسبني، ثم ينصرف. بعضهم كان يعطيني أكثر مما أطلب، وآخرون كانوا يدفعون ثمن الكوب بالضبط.
وفي يوم من الأيام جاءني شاب تبدو على وجهه ملامح الأرق والتعب. كانت ثيابه رثة، ويبدو عليه الفقر الشديد. جلس إلى جواري وطلب كوبًا من الشاي، ثم أخذ يتطلع إلى النهر طويلًا، كأنه يحدثه بشيء لا يريد أن يسمعه أحد.
لم أعبأ كثيرًا به. ناولته الشاي وانشغلت بما أفعله؛ أغسل الأكواب، وأزود الماء، ويأتي آخرون يطلبون الشاي ويرحلون، بينما ظل هو جالسًا في مكانه.
كانت عادتي أن أجمع عدتي عند أذان المغرب وأنطلق إلى بيتي. كنت آتي منذ الصباح وأظل حتى ساعة الغروب.
كان الشاب يعطيني ظهره ويتطلع إلى النهر.
قلت له:
— حان وقت الرحيل.
اعتذر، ولا أدري لماذا أخرج بعض النقود وأعطاني إياها. أخذت ثمن الشاي، وأردت أن أعيد إليه الباقي، لكنه قال:
— من أجل أولادي.
ألقيت عليه السلام وانطلقت، وأنا في حيرة من أمره.
في اليوم التالي، وفي الموعد نفسه، جاء الشاب مرة أخرى، لكنه كان في هيئة مختلفة تمامًا. كان نظيفًا، يرتدي ثيابًا جميلة، وعلى وجهه ابتسامة لم أرها بالأمس.
نظرت إليه وسألته:
— ألست أنت من كنت هنا بالأمس؟
قال مبتسمًا:
— نعم.
قلت:
— أتريد شايًا؟
قال:
— نعم.
ولا أدري لماذا شعرت بالسعادة لرؤيته بهذه الهيئة.
جلس على الحجر نفسه، وأخذ يتطلع إلى ماء النهر، لكن نظرته هذه المرة كانت مختلفة. كان فيها شيء من التفاؤل والأمل، كأنه عاشق يرى أمامه شيئًا يحبه.
استحييت أن أسأله عن سبب حاله بالأمس، خشية أن أذكره بشيء يجلب عليه الحزن.
لم يتحدث، واندمجت أنا في عملي مع المارين الذين يطلبون الشاي.
وعندما حان وقت الرحيل استأذنته. أراد أن يحاسبني، لكنني أقسمت عليه أن يكون هذا الشاي على حسابي. قبل، وظهرت على وجهه حمرة خجل.
قلت له:
— أتريد شيئًا آخر؟
قال:
— شكرًا.
تركته ورحلت.
في تلك الليلة قصصت على زوجتي ما حدث، وحكيت لها عن الفرق بين رؤيتي له بالأمس ورؤيتي له اليوم.
حذرتني منه.
لم أعرف سبب تحذيرها؛ فالشاب لم تبدُ عليه أي علامة مكر أو شر. لكنها كانت دائمًا تشك في الناس بلا سبب.
ومع ذلك، قررت، احتياطًا، أن أكون أكثر حذرًا إذا جاء مرة أخرى.
وفي اليوم التالي جاء في موعده، وظل يأتي لا يخلف ميعاده أبدًا؛ لا يمنعه صيف حارق ولا برد قارص.
صرنا صديقين، وحكى لي كل شيء عن حياته؛ عن أيام صباه في بلدته قبل أن يأتي إلى هنا، وعن قصة حبه مع زميلته في الجامعة، وعن ظروفه القاسية، والمعاناة التي عاناها في طلب الرزق والعمل. حكى لي كل شيء تقريبًا.
وسردت له أنا أيضًا كل ما يخصني؛ حياتي، وزوجتي التي تشك في كل أحد، وأبنائي الصغار، والخلافات بيني وبين زوجتي. عرفني كما أعرف نفسي، وعرفته كما أعرف نفسي.
ورغم صداقتنا التي توطدت، فإنه لم يخبرني بأمرين: ما الذي حدث في أول مرة جاء فيها إلى الجسر، وما الذي حدث في تلك الليلة التي غيرته، ولماذا كان يجلس بعد أن أرحل لساعات وحده، قبل أن يذهب إلى بيته.
اعتمدت عليه في بعض أموري. كنت أتركه عند مكان الشاي وأذهب لقضاء بعض حاجاتي، وإذا كنت متعبًا ذهبت إلى البيت لأستريح، ثم أعود عند الغروب لأجمع أدوات العمل وأرحل.
صرنا أكثر من أخوين.
وكلما عرضت عليه مالًا مقابل مساعدته لي، لم يقبل. كان يقول:
— أشرب الشاي ولا أدفع، ثم إنني أعمل ومرتبي يكفيني ويفيض منه.
كان شديد القناعة، وله قلب كبير.
عند بداية الدراسة كان يأتي أحيانًا حاملًا حقائب لأبنائي، أو كتبًا خارجية لدراستهم، أو أقلامًا وكراسات. وقبيل العيد كان يأتي بملابس جديدة لهم.
ظلَلنا سنوات على هذا الحال. كنت أحيانًا أعزمه يوم الجمعة على الغداء، ثم نذهب معًا إلى مكان عملي فوق الجسر لإعداد الشاي.
وكلما ألححت عليه بالسؤال عن بقائه بعد رحيلي، كان يقول إنه يرتاح للجلوس بمفرده ساعة بعد الغروب.
فأشير برأسي موافقًا لما يقول.
وكان هو أيضًا يعزمني إلى شقته التي استأجرها منذ سنة أو يزيد، بعد أن انتقل من منزل إلى آخر. كنا نعد الطعام معًا، ونتسامر، ثم ننتقل إلى الجسر للعمل.
وبعد فترة طويلة ونحن على هذا المنوال، جاء اليوم الذي انتظرت قدومه فيه، لكنه لم يأتِ.
مرت سنوات، ولم يكن ذلك يحدث إلا قليلًا؛ إذا اشتد عليه البرد، أو أرهقه العمل، كان ينام حتى الغروب، ثم يأتي ليجلس في وقته المعلوم ويرحل بعد ذلك.
أكملت يومي، لكن بذهن شارد وقلب مقبوض. حدثت نفسي أن الأمر لا يستحق كل هذا الخوف والقلق، وأنه سيأتي غدًا كعادته.
وفي اليوم التالي، كلما اقترب موعده، كان شيء يساورني ويطارد خيالي. حاولت أن أتجاهله، وأن أبدو طبيعيًا، وأنا أمازح الزبائن وأضحك معهم.
وعند الموعد المعتاد لم يأتِ أيضًا.
فكرت في ترك الفرشة والذهاب إليه، لكنني فضّلت أن أبقى وأنتظر إلى ما بعد الغروب، لعله يأتي.
مرت الدقائق كأنها ساعات طويلة، وبدأ القلق ينهشني.
وبعد ساعات قررت أن أذهب إليه في منزله.
طرقت الباب، فلم يجبني أحد.
قلت في نفسي: ربما هو نائم. لكنه كان يقول لي دائمًا إن نومه خفيف، فلماذا لم يرد إذن؟
ربما ليس هنا.
ربما ذهب لأمر طارئ إلى بلدته، فلم يسعفه الوقت ليخبرني. سأنتظر يومًا أو يومين، حتى يأتي ويخبرني بما حدث، ولماذا سافر فجأة.
ذهبت إلى البيت وأخبرت زوجتي بما حدث.
فقالت:
— إذا تأخر أكثر من يومين، يجب أن تذهب إلى بلدته. ربما مات أحد من أهله، فتعزيه وتقف بجانبه. فهذا الرجل له أفضال علينا، وهو يقف بجوارنا في كل شيء.
حمدت لها مشورتها، وقلت في نفسي:
إذا تأخر، فعلت ما أشارت به عليّ.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق