ليست كل الحكايات تبدأ من مكان آمن، فبعضها يقودنا إلى قرية تخفي أسرارًا قديمة، أو قصر تبدو جدرانه وكأنها تحتفظ بذاكرة من مروا به، أو إلى عالم تتداخل فيه الحقيقة بالخيال، ويصبح السؤال الأخطر ليس ماذا سيحدث بعد ذلك؟ بل هل كان ينبغي لنا أن نعرف كل هذا من الأساس؟
في هذا العالم، تتحرك الكاتبة والروائية رحمة نبيل، التي اختارت أن تجعل من الغموض والتشويق مساحات مفتوحة للعب بالأسئلة والمخاوف، وبناء عوالم وشخصيات لا تسير دائمًا في الطرق المتوقعة، وبين سلسلة «فريق العو» وأعمالها الأخرى، تواصل رحمة نسج حكايات تستدرج القارئ خطوة بعد أخرى، حتى يجد نفسه جزءًا من اللعبة، يحاول فك اللغز قبل أن تكشف له الصفحات ما تخبئه.
لكن خلف كل باب موصد في رواية، هناك باب آخر داخل عقل الكاتب؛ كيف تولد الفكرة؟ ومن أين تأتي تلك الشخصيات؟ وهل يستطيع الكاتب أن يغادر عالمه بسهولة بعد أن يكتب آخر سطر؟ وهل يمكن أن تتحول بعض الشخصيات إلى رفقاء يرافقونه خارج صفحات الرواية؟ وفي هذا الحوار، نقترب من عالم رحمة نبيل لنفتح معها أبواب الكتابة، ونبحث عن أكثر الشخصيات التي أرهقتها، والأفكار التي ربما أخافتها هي نفسها، والأسرار التي لا يراها القارئ وهو يقلب الصفحات.
في البداية حدثينا عن أعمالك الأدبية
فيما يخص أعمالي المنشورة ورقيًا فهي تتكون من سلسلة براءة ظلمه (جزئين) تصنيفها كان أشبه بالتصنيفات التي عملت عليها في بداية مسيرتي، تصنيف اجتماعي رومانسي مع بعض الغموض، ومن ثم أحببت إضافة بعض المتعة على الروايات الورقية فاخترت أن اتبع براءة ظلمه برواية "خرونس" الرواية التي تندرج تحت تصنيف الخيال العلمي والانتقال بالزمن وغيرها، ربما كانت استراحة قصيرة أو فاصل لطيف قبل بداية السلسلة الأقرب لقلبي والتي كانت سلسلة فريق العو.

مؤلفات رحمة نبيل
تتكون سلسلة فريق العو من مدرسة ميلر (اعتبرها بداية انطلاق وإن كانت أقل حد مما يليها)، ثم تأتي قرية الشيخ والتي كانت بداية احتدام الأحداث، مرورًا بحارة الجزار والتي كانت نقلة جديدة في الالغاز، حتى نصل لقصر الخواجة والتي كانت بالنسبة لي تحدي كبير أخشى ألا اتخطاه وقد عملت على حبكتها بكل ذرة تفكير لدي.
بدأت رحلتك الأدبية في سن مبكرة كيف تطورت علاقتك بالكتابة حتى تحولت من شغف إلى مشروع أدبي مستمر؟
بدأت الرحلة بمجرد خواطر في مرحلة المراهقة، مجرد "خربشات" إن صح الوصف، ومع الوقت أحببت أن أسجل أولى رواياتي، وقد أخذت الخطوة دون ترتيب تقريبًا، فكانت لا تختلف كثيرًا عن "خربشات" الخواطر الأولى لكن على شكل رواية، ومن ثم بدأت أشعر أن هذا ليس المستوى الذي أحب الظهور به في الواقع لذا أخذت على عاتقي تطوير أسلوبي من حيث السرد والحبكة والقصة، وغيرها، لذا لجئت للقراءة والاطلاع، ومع الوقت اعتقد أنني نجحت في الأمر، مع الإشارة أنني ما زلت في بداية طريقي كما أحب أن أذكر نفسي، مازال هناك الكثير في هذه الرحلة.

رحمة نبيل
تميل أعمالك إلى بناء عوالم تحمل قدرًا من الغموض والتشويق.. ما الذي يجذبك إلى هذا النوع من الكتابة؟
منذ الطفولة أحببت الألغاز والغموض، بشكل عام لا أفضل قراءة أي نوع من الروايات إلا الغامضة منها، حتى وإن كتبت في أنواع مختلفة، لكنني أميل بكلي صوب تلك الأعمال المحفوفة بالغموض فهي بالنسبة لي وحسب رأيي المغناطيس الذي يجبر القارئ على إكمال صفحات أي رواية.
كيف تبدأ الرواية لديك؟ هل تكون الفكرة هي نقطة البداية أم الشخصية أم المكان؟
مجرد فكرة ارتجالية في موقف ما، فكرة تبدأ بخط عريض، ومن ثم تبدأ الأفكار بالتدافع لعقلي، وحين البدء في كتابة أي رواية قد تكون الفكرة غير مكتملة بشكل كبير، لكن أثناء الكتابة تبدأ الخطوط في الوضوح شيئًا فشيء، فقد اعيد ترتيب الخطوط مرات ومرات حتى تختمر الفكرة بشكل كامل في عقلي.
في أعمال مثل سلسلة «فريق العو» كيف تعاملت مع فكرة الاستمرار في عالم واحد عبر أكثر من جزء مع الحفاظ على اختلاف كل تجربة؟
بدأت الفكرة برغبتي في صنع عالم خاص يكون لشخصياتي القيادة به، عالم عمدت لجعل القارئ جزء منه فخاطبته في كل مهمة من المهمات كما لو أنه الفرد الخامس في فريق العو، ومن ثم بدأت أصنع له تجارب مختلفة، تجارب تسحبه لذلك العالم شيئًا فشيء حتى يألف الوجوه والشخصيات ويعتادهم، بل ويفتقدهم كل عام.

أعمال الكاتبة رحمة نبيل
ما أصعب مرحلة في كتابة الرواية بالنسبة لك العثور على الفكرة أم كتابة المسودة الأولى أم إعادة المراجعة؟
العثور على الفكرة لحظي كما أشرت من قبل، كتابة المسودة ربما يكون الجزء الأصعب، والأصعب هو وضع الخطوط الصغيرة وترتيب الحبكة الخاصة بالرواية، خاصة أننا نتحدث عن روايات جرائم تهدف لجذب انتباه للقارئ بكل الغموض بها، لذا تخلخل خيط رفيع بها قد يفسد كل شيء، لذا نعم قد نصنف أن المسودة هي الأصعب ومن ثم المراجعة، فلا أبالغ حين أقول أن وقت المراجعة قد يصل لشهور.
هل تخاف رحمة نبيل من الأشياء نفسها التي تجعلها تخيف قراءها؟
لا أعتقد ذلك في الواقع، ربما تتسبب بعض المواضيع التي أعرضها في رواياتي مشاعر سلبية لدي، لكن لا أعتقد أنها قد تصل للخوف.
هل الشخصيات عندكِ تُبنى على الورق فقط أم أن لها أصواتًا وملامح وحضورًا في خيالك قبل الكتابة؟
الشخصيات في كتاباتي هم عائلة لي أفتقدهم بمجرد وضع نقطة النهاية، لذا هم ليسوا شخصيات على ورق البتة.
هل ساهمت منصات التواصل الاجتماعي في تغيير العلاقة بين الكاتب والقارئ؟ وهل أصبحت هذه العلاقة أكثر تأثيرًا في اختيارات الكاتب؟
بالطبع فعلت، كما يقال هي سلاح ذو حدين إذا أحسنت استخدامه كان سلاحًا لك لا عليك، ولا أعتقد أنها قد تؤثر على اختيارات الكاتب - أتحدث عن نفسي تحديدًا - اختياراتي كلها نابعة من عقلي أو فيما أراه مناسبًا لعرضه.

الكاتبة رحمة نبيل
إلى أي مدى تهتمين بردود فعل القراء أثناء الكتابة؟ وهل يمكن أن تؤثر هذه الآراء في العمل التالي؟
اهتم كثيرًا في الواقع؛ فردود الفعل هي ما تحمسني للقادم، هي ما تخبرني إن كنت على الطريق الصحيح أم لا، لكن في الواقع لا أعتقد أنها قد تؤثر على العمل التالي فأنا بشكل عام أضع خطة للسنة أسير عليها رغم كل شيء.
في ظل التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي وقدرته على إنتاج نصوص وحكايات، كيف تنظرين إلى تأثيره المحتمل على مستقبل الكتابة الإبداعية؟ وهل ترين أنه يمكن أن يصبح أداة مساعدة للكاتب، أم أن الإبداع الحقيقي سيظل مرتبطًا بالخبرة الإنسانية التي يصعب على الآلة امتلاكها؟
الذكاء الاصطناعي قد يصنع لك رواية كاملة إذا أردت منه ذلك، لكنني أعتقد أن القراء يستطيعون التفرقة بين ما يسرد بواسطته وما يسرد بواسطة إنسان، فربما كان الذكاء الاصطناعي ماهرًا في الكتابة، لكن بالنسبة لي أرى أن الكاتب هو أدرى الناس بشخصياته وتفاعله واندماجه مع الشخصيات وتأثره بسرد مشاعرهم، شيء لا يستطيع الذكاء الاصطناعي صنعه، ربما يكون مفيدًا في التصحيح والتدقيق وإن كان به بعض الأخطاء الطفيفة، لكن حتى الآن لا أعتقد أنه قد ينجح في سرد مشاعر بالشكل الذي قد يسرد به الكاتب.
هل هناك مشروع جديد تعملين عليه حاليًا، وما الذي يمكن أن تكشفيه عنه؟
في الواقع نعم، في الوقت الحالي جاري العمل على المهمة الخامسة من فريق العو، بل يمكننا القول أنه تم الانتهاء من كتابة الجزء الجديد بعد شهور في التحضير والكتابة، وضعت كلمة النهاية للجزء، تبقى فقط المراجعة للتأكد من خيوط المهمة، وفيما يخص الرواية فلا أدري حتى الآن إن كانت هذه المهمة ستكون بمثابة وداع لنا مع أسامة العو وفريقه، أم يصحبنا لمهمة جديدة.












0 تعليق