عاد الكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي إلى واجهة المشهد الأدبي في عام 2026، بعدما تحولت روايته القصيرة "ليالي بيضاء" إلى ظاهرة مبيعات في عدد من الدول، مدفوعة بشكل لافت بالانتشار عبر منصة تيك توك، في مفارقة تجمع بين أحد أبرز كلاسيكيات الأدب العالمي ومنصة تعتمد على المحتوى السريع.
وصدرت "الليالي البيضاء" للمرة الأولى عام 1848، وتعد من الأعمال المبكرة في مسيرة دوستويفسكي، وهي رواية قصيرة لا تتجاوز نحو مائة صفحة، تدور حول شاب وحيد يعيش في سان بطرسبرج ويلتقي مصادفة بفتاة خلال إحدى ليالي الصيف، قبل أن تنشأ بينهما علاقة عاطفية قصيرة تحمل مزيجًا من الأمل والحزن.
نفاد آخر طبعة في البرازيل
وشهدت الرواية انتشارًا متجددًا خلال الفترة الأخيرة، خصوصًا في البرازيل، حيث تحولت إلى ظاهرة لافتة منذ عام 2025، واستمرت مبيعاتها في الارتفاع خلال العام الحالي، حتى نفدت آخر طبعة من الكتاب في السوق البرازيلية.
ولم يقتصر هذا الانتعاش على البرازيل، إذ حققت "ليالي بيضاء" أيضًا حضورًا قويًا في بريطانيا وإسبانيا، لتتحول رواية صدرت قبل أكثر من قرن ونصف إلى عنوان حاضر في سوق الكتب المعاصر، في وقت تلعب فيه منصات التواصل الاجتماعي دورًا متزايدًا في إعادة اكتشاف أعمال أدبية قديمة.
حبكة سهلة وقادرة علي الوصول
وتساعد طبيعة الرواية نفسها في تفسير قدرتها على الوصول إلى القراء الجدد، خاصة أنها لا تعتمد على بناء روائي ضخم أو حبكة معقدة، وإنما تقدم حكاية إنسانية مركزة عن الوحدة والحب وانتظار الآخر وخيبة الأمل، وهي مشاعر تتجاوز الزمن والثقافات.
تبدأ الأحداث بالراوي، وهو شاب مجهول الاسم يعيش وحيدًا، ويقضي لياليه في التجول بشوارع سان بطرسبرج، وخلال إحدى جولاته يلتقي فتاة تبكي، فيحاول مساعدتها بعد تعرضها لموقف مزعج، ثم يتفق معها على اللقاء في المكان نفسه في الليلة التالية.
وتدور القصة خلال أربع ليالٍ وصباح واحد، حيث تتطور العلاقة بين الشخصيتين في مساحة زمنية قصيرة، بينما يكشف دوستويفسكي من خلالها عن مشاعر الوحدة والتعلق والأحلام التي قد تصطدم بالواقع.
ولم تكن "ليالي بيضاء" بعيدة عن السينما، إذ قدم المخرج الإيطالي لوتشينو فيسكونتي معالجة سينمائية للرواية عام 1957، من بطولة مارسيلو ماستروياني وماريا شِل، في فيلم أبيض وأسود حمل الاسم نفسه.
التيك توك وسيلة جديدة لانتشار الادب
ويرى الاهتمام المتجدد بالرواية مثالًا على قدرة الأدب الكلاسيكي على العودة إلى دائرة الضوء عبر قنوات جديدة، فبدلًا من أن يصل الكتاب إلى القراء الجدد عبر المؤسسات الثقافية أو المناهج الدراسية وحدها، أسهمت مقاطع ومراجعات القراء على تيك توك في لفت الانتباه إلى رواية قصيرة كتبها دوستويفسكي قبل 178 عامًا.
كما ساعدت إعادة تقديم الكتاب بصريًا في بعض الأسواق، ومن بينها إصدار ذي غلاف ذي طابع شبابي في البرازيل، على جذبه إلى جمهور جديد، ليصبح الكتاب مثالًا على الطريقة التي يمكن أن تعيد بها وسائل التواصل الاجتماعي تشكيل خريطة القراءة، وإعادة تقديم الكلاسيكيات إلى أجيال لم تعاصر لحظة صدورها.
وتكشف عودة "ليالي بيضاء" أن عمر العمل الأدبي لا يمثل بالضرورة عائقًا أمام وصوله إلى القارئ المعاصر، خصوصًا عندما يجد موضوعًا إنسانيًا قابلًا للتجدد، وتمنحه منصات التواصل فرصة جديدة للظهور أمام جمهور واسع.












0 تعليق