تحل اليوم، 16 سبتمبر، ذكرى ميلاد الفنان والنحات الفرنسي الألماني جان آرب ، أحد أبرز رواد الفن الحديث في القرن العشرين، ورغم رحيله عن دنيانا منذ عقود، إلا أن اسمه لا يزال يتردد بقوة داخل صالات العرض وأروقة كبرى ديار المزادات العالمية مثل "كريستيز" و"سوثبى"، حيث تشهد أعماله الإبداعية تنافسًا محموماً بين أثرياء العالم والمتاحف الكبرى لاقتنائها بأسعار فلكية تتجاوز ملايين الدولارات.
بورصة الملايين.. منحوتات تكسر الأرقام القياسية
تحولت قطع آرب الفنية بمرور الوقت إلى ما يشبه الذهب الخالص في سوق الاستثمار الفني، حيث سجل تمثاله البرونزي الشهير "ديميتير" (Demeter) رقمًا قياسيًا عندما بيع في مزاد علني بنيويورك بمبلغ تخطى 5.8 مليون دولار.
ولم تقتصر هذه الأرقام على منحوتاته فقط، بل امتدت لتشمل لوحاته التجريدية وأعمال الكولاج والنقوش الخشبية الملونة، فعلى سبيل المثال، تعرض لوحته البارزة "أمفورة لا نهائية" في المحافل الدولية بتقديرات تتراوح بين 2 إلى 4 ملايين دولار.
ويرجع خبراء الفن هذا الإقبال إلى ندرة أعماله الأصلية، وتهافت متاحف عالمية بحجم "متحف الفن الحديث (MoMA)" في نيويورك و"تيت مودرن" في لندن على ضمها لمجموعاتها الدائمة.

جان آرب
هانز وجان.. الهوية المنقسمة بين لغتين
ولد آرب في منطقة الألزاس، وهي البقعة الجغرافية التي كانت محل نزاع تاريخي مستمر بين فرنسا وألمانيا، هذه النشأة فرضت عليه هوية مزدوجة رافقته طوال حياته وانعكست على فنه، فكان يوقع أعماله باسم "هانز" عندما يكتب بالألمانية، ويفضل اسم "جان" عندما يتحدث بالفرنسية.
هذا التعدد الثقافي جعله يرفض فكرة الحدود السياسية والتعصب الأعمى، وصنع منه فنانًا يبحث دائمًا عن لغة بصرية كونية تتجاوز القيود والجنسيات، وتعتمد على الانسيابية والحرية المطلقة.
حركة "دادا".. ثورة الصدفة
في عام 1916، ومع اشتعال ويلات الحرب العالمية الأولى التي دمرت أوروبا، فر آرب إلى زيورخ السويسرية بحثًا عن ملاذ آمن، وهناك شارك مع مجموعة من المثقفين في تأسيس "حركة دادا" (Dadaism)، والتي كانت بمثابة ثورة فنية عنيفة ضد عقلانية المجتمع البرجوازي التي قادت العالم للدمار.
ابتكر آرب في هذه الفترة أسلوبًا يعتمد بالكامل على ما أسماه "قوانين الصدفة"، فكان يمزق الأوراق الملونة بشكل عشوائي دون تخطيط، ثم يلقيها من الأعلى على السطح، ويعيد لصقها في المكان الذي استقرت فيه تمامًا، ليصنع فنًا تلقائيًا يخرج مباشرة من اللاوعي.

جان آرب
السر في الأشكال الحيوية التي تتنفس
عُرف أسلوب جان آرب بـ "الفن الحيوي" (Biomorphic Art)، حيث كان يستلهم أشكاله التجريدية من عناصر الطبيعة دون أن يسقط في فخ التقليد الحرفي لها، فمنحوتاته البيضاء الناعمة وتكويناته المتموجة تحاكي البذور، والغيوم، وغصون الأشجار، وحتى الجسد الإنساني.
كان "آرب" يؤمن بأن "الفن هو ثمرة تنمو من الإنسان، تمامًا مثلما تنمو الفاكهة على النبات" هذا الإحساس بالنمو العضوي هو السر الذي يجعل تماثيله تبدو للمشاهد وكأنها كائنات حية تتنفس في قاعة العرض، وهو ذاته السر الذي يفسر لماذا يتسابق جامعي الفنون اليوم لدفع الملايين من أجل امتلاك جزء من عالمه الساحر.

جان آرب














0 تعليق