لم يوجّه الإسكندر الأكبر أنظاره إلى روما قط، فلماذا تجاهل هذا القائد الأسطوري الذي غزا مساحات شاسعة، القوة التي ستصبح لاحقاً إحدى أعظم قوى الغرب؟ تكمن الإجابة في الطموحات التي ورثها، وأولوياته الاستراتيجية، والسياق التاريخي لعصره، تأثر قرار الإسكندر الأكبر بعدم غزو روما بعوامل عدة، من بينها محدودية معرفته بروما وتركيزه على الفتوحات في الشرق.
محدودية معرفة الإسكندر بروما وعدم اهتمامه بغزوها
خلال حياة الإسكندر الأكبر، كان الحديث عن غزو روما سيقابل على الأرجح بنظرات استغراب؛ إذ كان من الممكن أن يتساءل الناس: "لماذا تلك المدينة غير المهمة؟"، وفقا لما ذكره موقع جريك ريبوت.
كانت روما قوة صغيرة ومحلية نسبياً، ففي منتصف القرن الرابع قبل الميلاد كانت لا تزال في المراحل الأولى من توسعها، وتركز بصورة أساسية على ترسيخ سيطرتها على شبه الجزيرة الإيطالية.
وكانت روما قد بدأت لتوها صراعاتها مع المدن الأترورية المجاورة، ولم تكن قد تحولت بعد إلى قوة بارزة في منطقة البحر المتوسط، كما كانت معرفة الإغريق، ومن بينهم الإسكندر الأكبر، بروما محدودة، فقد تمحور العالم اليوناني حول بحر إيجه، وكانت علاقاته تتركز بصورة أساسية على شرق البحر المتوسط والشرق الأدنى ومصر، أما روما، الواقعة في أقصى الغرب، فكانت خارج نطاق النفوذ والاهتمام اليونانيين الأساسيين، إضافة إلى ذلك، لم يعتبر المؤرخون والجغرافيون اليونانيون في ذلك العصر أن روما مهمة بالقدر الذي يستدعي توثيقها بشكل موسع.
مهمة ورثها عن والده للتوسع شرقاً
كان فيليب الثاني، والد الإسكندر الأكبر، استراتيجياً ورجل دولة بارعاً، نجح في تحويل مقدونيا من مملكة هامشية إلى قوة مهيمنة في اليونان.
تمثل أحد أهداف فيليب الرئيسية في توحيد المدن اليونانية تحت الهيمنة المقدونية، وقيادتها في حملة للانتقام من الإمبراطورية الفارسية التي كانت قد غزت اليونان في وقت سابق من القرن الخامس قبل الميلاد، ولا سيما خلال الحروب اليونانية الفارسية، ولتحقيق هذا الهدف، أسس فيليب "الحلف الكورنثي"، وهو تحالف للمدن والدول اليونانية تحت القيادة المقدونية، بهدف شن حملة يونانية موحدة ضد الفرس، وكانت هذه المهمة متجذرة في الرغبة بالانتقام من نهب الفرس لأثينا، إلى جانب تأكيد الهيمنة اليونانية على العدو القديم.
التزام الإسكندر بفتح الشرق وليس روما
بعد اغتيال فيليب عام 336 قبل الميلاد، ورث الإسكندر الأكبر العرش إلى جانب خطط والده، وأدرك الإسكندر أن شرعيته كحاكم، ولا سيما في نظر المدن والدول اليونانية، كانت مرتبطة بتنفيذ مهمة فيليب، ولم يكن مهاجمة فارس مجرد هدف عسكري، بل كانت ضرورة سياسية للحفاظ على وحدة اليونان تحت الحكم المقدوني. وكانت الإمبراطورية الفارسية أكبر وأقوى إمبراطورية في العالم آنذاك، إذ امتدت من البلقان وأوروبا الشرقية إلى وادي السند، كما كان غزو فارس يعني الحصول على ثروات هائلة ومجد عسكري والسيطرة على مساحات واسعة من الأراضي.
حملات الإسكندر في الشرق
في عام 334 قبل الميلاد عبر الإسكندر الأكبر مضيق الهلسبونت، المعروف حالياً باسم الدردنيل، متجهاً إلى آسيا الصغرى على رأس جيش قوامه نحو 40 ألف رجل.
وخلال السنوات التالية، حقق سلسلة من الانتصارات الحاسمة على القوات الفارسية، من بينها معركة غرانيكوس عام 334 قبل الميلاد، ومعركة إسوس عام 333 قبل الميلاد، ومعركة غوغميلا عام 331 قبل الميلاد، وقربه كل انتصار من قلب الإمبراطورية الفارسية، وبحلول عام 330 قبل الميلاد كان قد استولى على عاصمتها برسبوليس.
فتوحات ما بعد فارس
بعد إحكام سيطرته على الإمبراطورية الفارسية، واصل الإسكندر الأكبر حملاته شرقًا إلى آسيا الوسطى، بما في ذلك مناطق تقع حاليًا في أفغانستان وباكستان، ثم وصل في نهاية المطاف إلى الهند.
وانتهى غزوه للهند بمعركة هيداسبس عام 326 قبل الميلاد ضد الملك بوروس، أحد أكثر خصومه تحدياً، وأظهرت هذه الحملات طموح الإسكندر لتوسيع إمبراطوريته إلى أبعد مدى ممكن، لكنها في الوقت نفسه استنزفت جيشه وأرهقت موارده.
تحديات داخلية في فارس
حتى بعد هزيمة داريوس الثالث، لم تكن الإمبراطورية الفارسية قد خضعت بالكامل، فقد واصل عدد من الولاة الفرس والقادة العسكريين مقاومة حكم الإسكندر الأكبر.
وكان من أبرزهم بسوس، أحد النبلاء الفرس الذي أعلن نفسه ملكًا بعد وفاة داريوس، وقاد مقاومة كبيرة في المقاطعات الشرقية للإمبراطورية.
كما واجه الإسكندر تحدياً هائلاً يتمثل في إدارة الإمبراطورية الفارسية الشاسعة والمتنوعة ثقافياً، واعتمد عدداً من العادات الفارسية، وأشرك مسئولين فرساً في إدارته، ما تسبب في توترات مع ضباطه المقدونيين واليونانيين، إضافة إلى ذلك، اندلعت ثورات وانتفاضات عديدة في مناطق مختلفة من الإمبراطورية، ولا سيما في المقاطعات الشرقية البعيدة، ما تطلب تدخل الإسكندر شخصيًا لقمعها.
دمج الثقافات
سعى الإسكندر الأكبر أيضاً إلى دمج الثقافتين اليونانية والفارسية، فشجع زواج جنوده من النساء المحليات، ودعم انتشار الثقافة اليونانية في أنحاء الإمبراطورية، وأدى أبناء هذه الزيجات المختلطة لاحقًا دورًا في الممالك اليونانية-البخترية والهندية-اليونانية، التي أثرت بدورها في فن غاندهارا البوذي، وكانت سياسة الدمج هذه مثار جدل بين أتباعه المقدونيين، وزادت من التعقيدات الداخلية التي واجهها في إدارة إمبراطوريته.
وفاة مبكرة
في عام 323 قبل الميلاد، مرض الإسكندر الأكبر في مدينة بابل، المركز الإداري لإمبراطوريته، وتوفي عن عمر 32 عاماً، ولا يزال السبب الدقيق لوفاته موضع نقاش تاريخي، إذ تتراوح النظريات بين التسميم وأسباب طبيعية مثل حمى التيفوئيد أو الملاريا.
خطط محتملة لغزو روما
قبل وفاته، كانت لدى الإسكندر الأكبر خطط لمواصلة الفتوحات، وتشير بعض الدلائل إلى أنه كان يعتزم شن حملة في شبه الجزيرة العربية، وربما التوجه إلى غرب البحر المتوسط أيضاً.
وتشير بعض المصادر إلى أنه ربما كان سيوجه اهتمامه في نهاية المطاف إلى قرطاج ومناطق غربية أخرى، وهو ما كان يمكن أن يضعه في صراع مع روما. إلا أن هذه الخطط لم تتحقق بسبب وفاته المفاجئة.
تفكك إمبراطوريته حال دون غزو روما
أدى موت الإسكندر الأكبر دون ترك وريث واضح إلى تفكك إمبراطوريته، واقتسم قادته، المعروفون باسم "الديادوخي"، الإمبراطورية فيما بينهم، وشكلوا عدة ممالك هلنستية، وجعل هذا الانقسام أي محاولة موحدة للتوسع غرباً، بما في ذلك غزو روما، أمراً مستحيلاً.












0 تعليق