في عام 1118م، شهدت مدينة صور واحدة من أبرز وقائع الصراع بين المسلمين والصليبيين في بلاد الشام، بعدما فرض الفرنجة حصارًا على المدينة التي كانت تمثل أحد أهم وأحصن المراكز الساحلية، لتنتهي المواجهات بسقوطها في أيدي الصليبيين، بعد عجز الفاطميين والسلاجقة عن إنقاذها.
صور وحكم الفاطميين
وكانت صور في ذلك الوقت تحت حكم الفاطميين، وتعرضت خلال السنوات السابقة لضغوط متكررة من الصليبيين الذين حاصروها وضيقوا على أهلها، كما تعرضت المناطق المحيطة بها للنهب.
ومع اقتراب الخطر، طلب أهل المدينة من أتابك طغتكين، صاحب دمشق، أن يرسل إليهم أميرًا وجندًا لحمايتها، مهددين بتسليم المدينة إلى الفرنجة إذا لم تصلهم النجدة.
فأرسل طغتكين عسكرًا إلى صور، وولى عليها الأمير مسعود، الذي وصفته المصادر بالشجاعة والخبرة بالحرب، كما أمده بالجنود والمؤن والمال واستقرت أحوال المدينة لفترة، مع استمرار الخطبة للآمر الفاطمي في مصر وبقاء السكة على حالها.
لكن العلاقة بين مسعود وأهل صور سرعان ما تدهورت، إذ كثرت شكواهم منه إلى الآمر الفاطمي، فاستغل المصريون وصول أسطولهم إلى صور للقبض عليه، وخرج مسعود لاستقبال قائد الأسطول، فلما صعد إلى سفينته أُلقي القبض عليه، وتولى الوالي المبعوث من مصر أمر المدينة.
وبعد رحيل مسعود، عادت أطماع الصليبيين في صور، وبدأوا في جمع قواتهم والاستعداد لمحاصرتها. وأدرك الوالي أن قواته لا تستطيع الصمود أمامهم، فأرسل إلى الآمر الفاطمي يطلب النجدة، لكن مصر لم تقدم له ما يكفي للدفاع عن المدينة، فقرر الآمر إعادة ولاية صور إلى طغتكين.
وتولى طغتكين المدينة، وأرسل إليها الجنود ورتب أوضاعها استعدادًا للمواجهة، لكن الصليبيين وصلوا إليها وفرضوا حصارًا محكمًا، واشتد القتال، حتى بدأت المؤن في النفاد، وأصيب المدافعون وأهل المدينة بالإرهاق واليأس.
وحاول طغتكين الاقتراب من صور، فسار إلى بانياس على أمل أن يؤدي اقترابه إلى إجبار الصليبيين على رفع الحصار، إلا أنهم واصلوا حصارهم، كما أرسل إلى مصر يستنجد بها، لكن النجدة لم تصل، واستمر الحصار حتى أصبحت المدينة مهددة بالهلاك.
وأمام هذا الوضع، اضطر طغتكين إلى التفاوض مع الصليبيين على تسليم صور، مقابل السماح للجنود والسكان بالخروج منها بما يستطيعون حمله من أموال ومتاع. وتم الاتفاق، وفُتحت أبواب المدينة ودخلها الفرنجة، بينما غادر أهلها وتفرقوا في البلاد، وحملوا معهم ما استطاعوا، تاركين ما عجزوا عن نقله.
وبذلك سقطت مدينة صور في يد الصليبيين عام 1118م، في خسارة كبيرة للمسلمين، خاصة أن المدينة كانت من أكثر مدن الساحل تحصينًا ومناعة، وكان سقوطها يمثل ضربة مهمة للوجود الإسلامي في المنطقة، ويعكس في الوقت نفسه حالة الانقسام والتنافس بين القوى الفاطمية والسلاجقة في مواجهة التوسع الصليبي.













0 تعليق