من بين روائع الأقنعة الجنائزية المعروضة في المتحف المصري بالقاهرة، يأتي قناع الملك بسوسنس الأول كواحد من أبدع نماذج صياغة الذهب خلال العصر الانتقالي الثالث، الأسرة الحادية والعشرين.
صُنع القناع من الذهب، وزُين بتطعيمات دقيقة من اللازورد ومعجون الزجاج الملون، ويبلغ ارتفاعه نحو 48 سم وعرضه 38 سم. ويصور وجه الملك بملامح مثالية، مرتديًا غطاء الرأس الملكي «النمس» (Nemes)، الذي يتقدمه رمز الحماية الملكية، الكوبرا المقدسة (الأوريوس)، بينما تتدلى أسفل الذقن اللحية الملكية المستعارة المضفرة، في إشارة إلى المكانة الملكية والارتباط بالعالم الإلهي.
وتكشف تفاصيل القناع عن براعة الصائغ المصري القديم؛ فقد رُصعت العيون والحواجب والأشرطة المثبتة للحية بمعجون زجاجي باللونين الأزرق والأبيض، بينما صُنعت العيون من مواد حجرية باللونين الأسود والأبيض، لتمنح الوجه تعبيرًا نابضًا بالحياة.
حكاية الاكتشاف
اكتُشف القناع عام 1940 بواسطة عالم الآثار الفرنسي بيير مونتيه داخل مقبرة الملك بسوسنس الأول في تانيس بالدلتا الشرقية، وكان اكتشاف المقبرة ذا أهمية استثنائية، إذ عُثر على محتوياتها في حالة حفظ متميزة نسبيًا ولم تكن قد تعرضت للنهب، وهو أمر نادر بالنسبة للمقابر الملكية المصرية.
وعلى الرغم من أهمية الاكتشاف وروعة كنوزه، لم يحظ بالشهرة الإعلامية العالمية التي صاحبت اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون، ويرتبط ذلك إلى حد كبير بالظروف التاريخية التي أحاطت باكتشافه، وفي مقدمتها اندلاع الحرب العالمية الثانية.
ولا يمثل قناع بسوسنس الأول قيمة فنية فحسب، بل يحمل أيضًا أبعادًا دينية ورمزية عميقة؛ فالذهب، في الفكر المصري القديم، ارتبط بالآلهة وبفكرة الخلود، بينما عبّرت هيئة الملك المثالية ورموز الحماية الملكية عن مكانته واستمراره في الحياة الأبدية.
قناع بسوسنس الأول










0 تعليق