خالد دومة يكتب: سمعة السياسة

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

لقد آن الأوان لأن تتغير مبادئ السياسة، وأن يُعاد النظر فيها من جديد. فالمصالح التي تسعى إليها الدول ينبغي ألا تكون على حساب مصالح أمم أخرى، لأن سياسة "أنا ومن بعدي الطوفان" لم تعد تصلح لعالم متشابك المصالح، مترابط المصير.

إن الإضرار بمصالح الآخرين من أجل تحقيق مصلحة ذاتية لم يعد سوى وهمٍ قصير الأجل؛ فما يبدو مكسبًا لدولة اليوم قد يتحول غدًا إلى خسارة للجميع. فالعالم أصبح كالجسد الواحد، إذا أصاب العطب جزءًا منه امتد أثره إلى سائر الأجزاء، ونال الجميع نصيبًا من الخسارة والاضطراب.


إن السياسة التي لا يحكمها إلا منطق المصلحة، ولو كان ثمنها الإضرار بأمة أخرى، ليست سوى حرب خفية تُدار بوسائل مختلفة. وإذا كانت السياسة تقتضي مراعاة المصالح، فإنها لا تبرر الاعتداء على مصالح الآخرين، سواء أكان ذلك بصورة مباشرة أم غير مباشرة.


لقد أثبتت التجارب أن سياسة الضغوط والإملاءات التي تمارسها الدول الكبرى لم تعد مجدية، إذا تجاهلت المصالح المشتركة التي يقوم عليها التعاون بين الدول، كبيرها وصغيرها. كما أن أسلوب التهديد والوعيد لم يعد وسيلة ناجحة لكسب الحلفاء؛ فالدول لا تتردد في تغيير تحالفاتها متى تعارضت مصالحها..


فلماذا يصر بعض الزعماء على هذا النهج؟ ولماذا لا يدركون أن عصرنا تحكمه قوانين جديدة فرضتها الحضارة والعلم والتقدم؟ فلو استُخدمت هذه المنجزات الاستخدام الصحيح، لأمكن توفير الأمن والغذاء والرفاهية للبشرية جمعاء، غير أن بعض صناع القرار لا يريدون للعالم إلا أن يعيش فوق فوهة بركان، ينتظر انفجاره في كل لحظة، ليخلّف الخوف والدمار والشقاء.


ولا أدري لماذا لا يُدان مثيرو الفتن ونافخو كير الحروب، الذين يجدون من القوة والجيوش والمهووسين بالعنف من يساندهم. صحيح أن التاريخ سينصف الحقيقة في النهاية، لكنه غالبًا ما يفعل ذلك بعد فوات الأوان.
إننا ننظر اليوم إلى كثير من الزعماء الذين ساقوا الملايين إلى الاستغلال والجور، فأهلكوا الأرواح وسفكوا الدماء، فإذا بهم في سجل الحضارة سفاكو دماء، وطالبو مجد زائف، ومستغلون لشعوبهم. لقد ضللوا الناس بالأماني الكاذبة والشعارات الجوفاء، فكانت النتيجة أرواحًا أُزهقت ودماءً سُفكت في سبيل غرورهم.


إن العالم اليوم في حاجة إلى مصلحين حقيقيين، يفكرون في الإنسان قبل كل شيء، ويعملون على إصلاح الضمائر قبل إصلاح الأجساد، ويتجاوزون حدودهم الضيقة ليجعلوا الإنسانية كلها غايتهم. نحتاج إلى زعماء يسعون إلى إصلاح أوطانهم دون الإضرار بغيرهم، يقودهم الحق، وتحكمهم مصلحة الإنسان أينما كان، لا أدعياء يعبثون بمصير الأمم والشعوب، ولا رأي سديد لهم، ولا حكمة تُستقى من أعمالهم.
ومن ثم، فإن العالم بحاجة إلى سياسة جديدة تقرأ الواقع بعينين مفتوحتين، وترسم مبادئها وخطواتها وفق معطيات الحاضر، لا وفق تصورات الماضي. فالتاريخ يُقرأ للعبرة واستخلاص الدروس، لا ليكون قيدًا يمنعنا من تطوير الفكر السياسي بما ينسجم مع عالم سريع التغير، لا يهدأ لحظة، ولا يتوقف عن إنتاج الجديد.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق