لماذا قدّس المصريون القدماء الشمس أكثر من القمر؟

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

احتلت السماء مكانة أساسية في تصور المصري القديم للكون، لكن الشمس حظيت بمكانة دينية وكونية أكثر مركزية من القمر، إذ ارتبطت بالخلق والحياة والزراعة وحساب الزمن، وتحولت حركتها اليومية والسنوية إلى جزء من العقيدة والطقوس والعمارة المصرية.

 

الشمس.. مصدر الحياة

ارتبطت الشمس في العقيدة المصرية بالإله رع، الذي ظهر بوصفه أحد أهم آلهة الخلق ومصدرًا للنور والحياة، ثم ظهرت صور دينية أخرى للشمس، منها آمون رع وآتون في عصر إخناتون.

ولم تكن هذه المكانة ناتجة عن تصور ديني فقط؛ فالشمس كانت عنصرًا حاضرًا بصورة مباشرة في حياة المصري القديم. فالنهار والحرارة والضوء ارتبطت بنمو المحاصيل، بينما ارتبطت دورة الشمس بالبيئة الزراعية وبإيقاع الحياة اليومية.

ولهذا أصبحت الشمس رمزًا للنظام والاستمرار، وارتبطت في التصور المصري بدورة متكررة من الموت والبعث والتجدد؛ فهي تشرق كل صباح بعد رحلة ليلية في العالم الآخر، لتعود من جديد في اليوم التالي.

 

الشمس كانت مقياسًا للزمن

ساعدت مراقبة الشمس المصريين على تنظيم حياتهم الزمنية والزراعية، فطوروا تقويمًا مدنيًا من 365 يومًا، يتكون من 12 شهرًا، في كل منها 30 يومًا، تضاف إليها خمسة أيام في نهاية السنة.

وقُسمت السنة إلى ثلاثة مواسم رئيسية: آخت، موسم الفيضان، برت، موسم الإنبات أو الخروج، شمو، موسم الحصاد.

ورغم أن التقويم المصري لم يكن مطابقًا تمامًا للسنة الشمسية، فإنه كان نظامًا مهمًا لتنظيم النشاط الزراعي والحياة العامة.

وهنا تتضح أهمية الشمس أكثر؛ فهي لم تكن مجرد جرم سماوي يُعبد، وإنما أصبحت أداة لقياس الزمن وتنظيم المجتمع.

 

وإذا كانت الشمس تقيس السنة.. فالنجوم تقيس الليل

لم يقتصر اهتمام المصريين على الشمس أثناء النهار، بل طوروا وسائل أخرى لمراقبة الزمن ليلًا.

فقد استخدم المصري القديم مجموعات من النجوم عُرفت باسم العشريات أو الديكانات (Decans) لمتابعة ساعات الليل، وظهرت هذه المعرفة في الجداول والأسقف الفلكية بالمقابر والمعابد.

ويعد سقف مقبرة سننموت من أبرز الأمثلة على ذلك؛ إذ يضم تمثيلات لمجموعات نجمية وكواكب وتقسيمات مرتبطة بالزمن.

كما ارتبط نجم الشعرى اليمانية «سوبدت» ببداية دورة سنوية مهمة، وكان ظهوره الصباحي بعد فترة اختفائه مرتبطًا في التصور المصري القديم ببداية العام وبالعلامات المرتبطة بالفيضان السنوي للنيل.

 

لماذا لم يحتل القمر المكانة نفسها؟

القمر كان حاضرًا بالتأكيد في العقيدة المصرية، وارتبط بعدد من الآلهة والرموز، كما استخدمت مراحله في بعض الحسابات الزمنية، لكن الشمس كانت أكثر وضوحًا في علاقتها بالحياة اليومية وبالنظام الزراعي والكوني.

فالقمر يتغير مظهره خلال الشهر، من هلال إلى بدر ثم يعود إلى الاختفاء، بينما تقدم الشمس دورة يومية أكثر ثباتًا في ظهورها وغروبها، وترتبط مباشرة بالضوء والحرارة والحياة والنبات.

ومن هنا يمكن فهم لماذا أصبحت الشمس محورًا أكثر قوة في تصور المصريين للكون، بينما اتخذ القمر أدوارًا دينية وفلكية مهمة لكنها أقل مركزية من الشمس.

 

الشمس تدخل إلى قلب المعابد

ولم تتوقف قداسة الشمس عند العقيدة والطقوس، وإنما ظهرت أيضًا في العمارة المصرية.

ومن أشهر الأمثلة ظاهرة تعامد الشمس على قدس الأقداس في معبد أبو سمبل، حيث تدخل الأشعة إلى المعبد في يومين محددين من العام وتضيء عددًا من التماثيل داخل الحجرة الداخلية.

وتكشف مثل هذه الظواهر عن قدرة المصري القديم على استخدام المعرفة الفلكية في توجيه المباني، حتى أصبحت حركة الشمس جزءًا من التجربة المعمارية والدينية للمعبد.

وينطبق الأمر نفسه على معابد أخرى مثل هيبس وقصر قارون، حيث ترتبط أشعة الشمس بمواقع محددة داخل المعبد في أوقات معينة من السنة.

 

حتى أبو الهول ارتبط بالشمس

دخلت الشمس كذلك في رمزية أبو الهول؛ فتمثال أبو الهول يتجه نحو الشرق، أي نحو موضع شروق الشمس، وقد ارتبط اسمه في الدولة الحديثة بـ «حور إم آخت»، أي «حورس في الأفق».

وفي هذا التصور تصبح الشمس جزءًا من صورة الكون نفسها: تشرق وتتحرك في السماء ثم تغرب، لتبدأ رحلة جديدة في العالم الآخر، قبل أن تعود في صباح اليوم التالي.

 

الشمس والقمر في التصور المصري

لم يكن المصري القديم يفصل بين ما نسميه اليوم «العلم» و«الدين» بالحدود نفسها التي نعرفها في العصر الحديث.

فهو يستطيع أن يراقب حركة الشمس بدقة لأغراض التقويم والزراعة، وفي الوقت ذاته يمنحها معنى دينيًا ورمزيًا. كما يستطيع أن يرصد النجوم ويستخدمها لمعرفة الوقت، ثم يربطها بعالم الآلهة والموت والبعث.

لذلك تبدو الشمس أكثر حضورًا من القمر في الحضارة المصرية القديمة لأنها جمعت وظائف متعددة في وقت واحد: كانت رمزًا للخلق والحياة، ومصدرًا للضوء والدفء، ومقياسًا للزمن، وعنصرًا أساسيًا في الزراعة، ومحورًا في الطقوس، وعنصرًا يدخل مباشرة في تصميم بعض المعابد.

أخبار ذات صلة

0 تعليق