تتجدد في مصر على مدار العام عدد من الظواهر الفلكية المرتبطة بالمعابد المصرية القديمة، والتي تكشف جانبًا من براعة المصري القديم في علوم الفلك والهندسة والعمارة، ومن أبرزها ظاهرة تعامد أشعة الشمس على مقاصير وقدس أقداس عدد من المعابد، وفي مقدمتها معبد أبو سمبل، إلى جانب ظواهر مماثلة في معابد هيبس وقارون، وكذلك ظاهرة ارتباط حركة الشمس بتمثال أبو الهول.
أبو سمبل.. الشمس تصل إلى وجه رمسيس الثاني
في كل عام، وتحديدًا في 22 أكتوبر وفق المادة التاريخية المتداولة، تتعامد أشعة الشمس على المعبد الكبير للملك رمسيس الثاني في أبو سمبل بمحافظة أسوان، حيث تبدأ الظاهرة مع شروق الشمس، وتتسلل الأشعة عبر مدخل المعبد لنحو 20 دقيقة، قبل أن تصل إلى الحجرة الداخلية التي تضم عددًا من التماثيل.
وتعود الإشارة إلى اكتشاف الظاهرة إلى عام 1874، وأصبحت منذ ذلك الوقت واحدة من أشهر الظواهر الفلكية المرتبطة بالمعابد المصرية القديمة، والتي تجذب اهتمام الأثريين والسائحين والباحثين في علوم الفلك.
وتطرح ظاهرة التعامد سؤالًا أساسيًا حول مدى تعمد المصري القديم تصميم المعبد على هذا النحو، خاصة أن وصول أشعة الشمس إلى موضع محدد داخل المعبد يتطلب حسابات مرتبطة بحركة الشمس واتجاهات البناء.
زاهي حواس: تعامد الشمس بين العلم والخيال
وفي مقالة بعنوان «تعامد الشمس صدفة!»، يرى الدكتور زاهي حواس أن الظواهر التي يتم رصدها داخل المعابد المصرية القديمة تحتاج إلى دراسة علمية دقيقة قبل الجزم بأنها كانت مقصودة من جانب المصري القديم.
وأشار إلى أنه لا توجد، بحسب طرحه، نقوش أو زخارف داخل المعبد تشير بصورة مباشرة إلى أن التعامد الشمسي كان مخططًا له في جزء محدد من البناء، معتبرًا أن الأمر يحتاج إلى مزيد من الدراسات من جانب علماء المصريات والفلك.
وفي المقابل، يؤكد حواس أن من الصعب تصديق أن المصري القديم كان يترك الأمور المهمة للصدفة، مشيرًا إلى براعته في علوم الفلك والهندسة والفن والعمارة، وهو ما يجعل هذه الظواهر جديرة بالدراسة والتحليل.
وفي مقالة أخرى بعنوان «تعامد الشمس بين العلم والخيال»، أكد حواس أن العلم يشير إلى براعة المصريين القدماء في الفلك والرياضيات والهندسة، وأن تعامد الشمس على وجه تمثال رمسيس الثاني كان مقصودًا من جانب المهندس المعماري الذي صمم المعبد، خاصة مع وضع تمثال رمسيس الثاني بين المعبودات داخل قدس الأقداس.
وجه أبو الهول.. الشمس في الأفق
ولا تقتصر الظواهر الفلكية المرتبطة بالشمس على أبو سمبل، إذ يمكن رصد ظاهرة مرتبطة بتمثال أبو الهول خلال يومي الاعتدالين، حيث تتعامد الشمس على التمثال عند شروقها في أول أيام الربيع والخريف.
وبحسب المادة، فإن أبو الهول يواجه الشرق بدقة، ولذلك تشرق الشمس في اتجاهه خلال الاعتدالين، بينما تغيب خلفه مباشرة ناحية الجنوب من هرم الملك خفرع.
ويربط الدكتور زاهي حواس هذه الظاهرة بموقع أبو الهول ورمزيته، مشيرًا إلى أن المصري القديم عرف الحسابات المرتبطة بحركة الشمس، وأن التمثال يمثل الشمس التي تشرق وتغرب في الأفق.
كما يشير إلى أن الشمس تتحرك شمالًا خلال فصل الصيف وجنوبًا خلال الشتاء، بينما يتزامن الاعتدالان مع تساوي الليل والنهار.
معبد هيبس.. ظاهرة شمسية مرتين في العام
ويشهد معبد هيبس بمدينة الخارجة ظاهرة أخرى لتعامد الشمس على قدس الأقداس، وتحدث مرتين سنويًا، في 7 أبريل و6 سبتمبر، وفق المادة.
وخلال الظاهرة، تتسلل أشعة الشمس عبر المدخل الرئيسي للمعبد بزاوية تبلغ 82.6 درجة باتجاه عقارب الساعة، لتصل إلى المنطقة الداخلية من المعبد.
وتعد هذه الظاهرة واحدة من الشواهد التي تثير الاهتمام بالجانب الفلكي في تصميم المعابد المصرية، خاصة أن معبد هيبس نفسه يمثل نموذجًا معماريًا شهد تداخل عدد من العصور التاريخية.
قصر قارون.. الشمس تضيء مقاصير المعبد
وفي محافظة الفيوم، تظهر ظاهرة تعامد الشمس على قدس أقداس معبد قصر قارون في فجر يوم 21 ديسمبر من كل عام.
وبحسب المادة، اكتشف الظاهرة الدكتور مجدي فكري، وبدأ الاحتفال بها عام 2010، حيث تستمر أشعة الشمس المتعامدة لنحو 25 دقيقة.
وتدخل الأشعة من مدخل المعبد، ثم تمر عبر محوره لتضيء المقصورة الوسطى في قدس الأقداس، والتي يُفترض أنها كانت تحتوي على المركب المقدس للإله سوبك، قبل أن تنحرف الأشعة ناحية اليمين لتضيء المقصورة اليمنى التي كانت تضم تمثال الإله، بينما تظل المقصورة اليسرى في الظلام، وهي المقصورة التي ارتبطت بمومياء التمساح.
حسابات دقيقة وراء الظاهرة
وتشير هذه الظواهر مجتمعة إلى معرفة المصري القديم بحركة الشمس واتجاهاتها، وقدرته على توظيف هذه المعرفة في تصميم المعابد والمنشآت الدينية.
ورغم استمرار النقاش العلمي حول بعض تفاصيل الظواهر وما إذا كانت جميعها مقصودة منذ لحظة التصميم أم أن بعضها نتج عن عوامل مرتبطة بتغيرات البناء والموقع عبر الزمن، فإنها في جميع الأحوال تكشف عن مستوى متقدم من المعرفة الفلكية والهندسية لدى المصريين القدماء.
ومن أبو سمبل إلى هيبس وقارون، ومن قدس الأقداس إلى وجه أبو الهول، تبدو الشمس وكأنها جزء من التصميم المعماري نفسه، تتحرك وفق مسارات محسوبة لتصل في أوقات محددة إلى أماكن بعينها، تاركة خلفها واحدة من أكثر الشواهد إثارة على العلاقة بين الفلك والهندسة والعمارة في الحضارة المصرية القديمة.

















0 تعليق