الدكتورة سلوى كامل تكتب: المعابد المنقذة والهوية المصرية

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

معبد دندور الأيقوني (7)

معبد دندور هو صرح معماري يعود للحكم الروماني في مصر، ويقع على بعد حوالي 80 كيلومترا جنوب مدينة أسوان الحديثة في مدينة توزيس بمنطقة النوبة. أمر الإمبراطور أغسطس ببناء هذا المعبد عام 23 ق.م، ليكرس للإلهة المصرية إيزيس، وللأخوين النوبيين المؤلهين بيحور وبيديسي.

في إطار المبادرة العالمية للحفاظ على آثار النوبة، ساهمت اليونسكو في الحفاظ على معبد دندور ونقله بعد أن غمرته مياه الفيضان الناجم عن بناء السد العالي في أسوان عام 1963. وقد تبرعت مصر بالمعبد إلى متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك، حيث يُعرض منذ عام 1978.

تاريخ معبد دندور

شيد معبد دندور بأمر من الإمبراطور الروماني قيصر أغسطس، الذي كان يحكم مصر آنذاك، على يد بترونيوس، الحاكم الروماني لمصر. تولى أغسطس، الذي كان يعرف سابقا باسم أوكتافيان، الحكم عام 31 ق.م. بعد انتصاره على مارك أنطوني والملكة المصرية كليوباترا. أمر أغسطس ببناء معابد على الطراز المصري وتكريسها للآلهة المصرية طوال فترة حكمه، ومع ذلك، لم يبن سوى عدد قليل من المعالم الأثرية في النوبة.

استخدم أغسطس المعبد لترسيخ سلطته والحفاظ عليها، وشملت طريقته ربط صورته واسمه بإيزيس، الإلهة الرئيسية في دندور، بالإضافة إلى عبادات بيحور وبيديسي المحليين. لم يكن المعبد مجرد مكان للعبادة، بل كان مسكنًا للآلهة. فعندما كان السكان المحليون يزورون المعبد ويقدمون القرابين التقليدية من النبيذ والبخور والماء البارد والملابس والحليب والطعام، لم يكونوا يُطعمون إمبراطورهم أغسطس فحسب، بل كانوا يضمنون أيضًا ازدهار مدينتهم. وفي القرن السادس م، استخدمه الأقباط المسيحيون ككنيسة.
كان قرب المعبد من النيل مصدر قلق عندما رفعت مصر منسوب السد المنخفض في أسوان عام 1933. وبدأ المبنى يغمر بالمياه لمدة تسعة أشهر كل عام.

 

نقل الموقع

بدأت مصر بناء السد العالي في أسوان عام 1960، وكان من المفترض أن تغمر بحيرة ناصر المعبد بشكل دائم. أطلقت اليونسكو الحملة الدولية لإنقاذ آثار النوبة، والتي شملت معبد دندور، ساهمت 50 دولة بالمعدات والمعرفة والتمويل في هذه المبادرة. على مدى عامين، قام علماء المصريات والمصورون والمهندسون المعماريون بتسجيل وتحليل المعبد في عام 1963. نُقل المعبد من موقعه الأصلي بعد تفكيكه.

نيابة عن الولايات المتحدة، أعربت جاكلين كينيدي عن امتنانها للحضور، وكانت المؤسسة الوطنية للفنون والعلوم الإنسانية قد أنشأت لجنة عام 1967 لمراجعة المقترحات المقدمة من المنظمات المهتمة بعرض المعبد المصري. وبما أن مدينة تينيسي تحمل اسم معبد مصري، فقد رأت متاحف في إلينوي والقاهرة وممفيس أنها الخيار الأمثل.

لم تقتنع اللجنة بذلك، فقد اقترحت مؤسسة سميثسونيان بناء المعبد على نهر بوتوماك في واشنطن العاصمة، بينما فضّل متحف بوسطن للفنون الجميلة نهر تشارلز. إلا أن اللجنة رفضت هذه التوصيات خشية أن تتلف أحجار المعبد في بيئة خارجية. وفي 20 أبريل 1967، قدّم الرئيس ليندون جونسون معبد دندور المصري إلى متحف المتروبوليتان للفنون. وقد وقع اختيار اللجنة على متحف المتروبوليتان لما يمتلكه من استراتيجية واضحة لتحديد موقع المعبد وحمايته من عوامل الطقس والتلوث والظروف البيئية المختلفة في الولايات المتحدة.

كان متحف المتروبوليتان يعتزم وضع المعبد داخل منشأة تحاكي درجات الحرارة المرتفعة والظروف الجافة في مصر، والتي حافظت على هذا الصرح لأجيال. بُني المعبد وصرحه من حوالي 660 قطعة من الحجر الرملي، بلغ وزنها الإجمالي 580 ألف كيلوجرام. رُصّت الكتل في نحو 660 حاوية، ونقلت إلى أمريكا على متن السفينة إس إس كونكورديا ستار بعد ست سنوات من هدمها. في 29 أغسطس 1968، وصل المعبد المُفكك إلى مدينة نيويورك، بلغت تكلفة نقل المعبد 9.5 مليون دولار. وقدّمت ليلا أتشيسون والاس دعما ماليا لنقل المعبد المصري وإعادة توطينه في المتحف.

أقام المتحف جناحا جديدا لاستيعاب المعبد، وقد صمم هذا الجناح المهندسان المعماريان جون دينكيلو وكيفن روش. كان روش معجبا بالعمارة المصرية، وقد سبق له أن ضمّن الأهرامات في مشاريعه المعمارية. وضع البناؤون نافورة أمام المعبد وجدارًا مائلًا خلفه ليرمز إلى نهر النيل وصخور الموقع الأصلي؛ وحافظ المعبد على اتجاهه التاريخي نحو الشرق. كما صمموا سقفا وجدارا شماليا من الزجاج المنقط لامتصاص الضوء ومحاكاة إضاءة النوبة، واستخدموا غرفة وتقنية لإعادة إنتاج مناخ مصر.

تقع ستة معارض فنية مصرية أخرى بالقرب من مدخل معبد دندور، وقد وصف أحد نقاد الفن تصميم المتحف بأنه "تصميمٌ لا يقلّ فعاليةً عن المعبد نفسه في تحقيق أهدافه". أطلق المتحف اسم عائلة ساكلر على الجناح الذي يضم المعبد، ونظرًا لتورط عائلة ساكلر في مشاكل، توقف المتحف عن قبول الهدايا منهم عام 2019، كما قرر تغيير اسم الجناح.

العمارة

يعد معبد دندور بناء بسيطا يعود إلى العصر الروماني، ويستمد أصوله من أنماط معمارية مصرية سابقة. وقد صممه، شأنه شأن المباني الأخرى في المنطقة، معماريون مصريون محليون، وشُيّد من كتل حجر رملي نوبي وردي اللون. ويُعتقد أن هؤلاء المعماريين تعاونوا مع عمال أغسطس في إنشاء النقوش والمنحوتات على المعبد. وقد استعان حرفيو الحجر وبناؤو المعبد بتقنيات وأساليب معمارية مصرية عريقة. بُني معبد دندور على منصة أو مصطبة من الحجر الرملي ترتفع 30 مترا فوق نهر النيل.

كان سور من الطوب اللبن يحيط بمجمع المعبد، بطول 25 مترا من البوابة الأمامية إلى البوابة الخلفية، وارتفاع 8 أمتار. هذا السور، الذي لم يعد موجودًا الآن، كان يُستخدم لتحديد مداخل مجمع المعبد. أما مدخل النيل فكان عبارة عن صرح ضخم لا يزال قائمًا حتى اليوم. عُرفت هذه البوابة لدى المصريين باسم "أفق الجبل المضيء". الصرح مزين بنقوش بارزة، وله حلقات مقوسة في قمته وزوايا جوانبه، ويعلوه كورنيش مقعر، وهو عنصر معماري شائع في العمارة المصرية. كان هناك ممر للمواكب، أو ما يُعرف باسم "الدروماس"، يمتد لمسافة 9 أمتار من الصرح إلى هيكل المعبد عبر ساحة مفتوحة.

يضمّ المعبد عمودين مزخرفين بتيجان مركبة تصور أزهار اللوتس، وهو نمط شائع في الحضارة المصرية بين عامي 664 و525 ق.م. تؤدي الغرفة الأمامية، التي كانت مفصولة في الأصل بأبواب خشبية، إلى قدس الأقداس، حيث اعتقد المصريون القدماء أن الآلهة تسكنه. داخل قدس الأقداس، وُجد حجرٌ مقدسٌ لحفظ اللحاء، ومكانٌ مخصصٌ لتمثال.

يحتوي الجدار الخلفي لقدس الأقداس على غرفةٍ مخفيةٍ يُحتمل الوصول إليها بتدوير كتلةٍ حجريةٍ على الجدار الجنوبي الخارجي لقدس الأقداس، لكن استخدامها غير معروف. بُنيت غرفةٌ صغيرةٌ في واجهة الصخر على سفوح الجبال خلف المعبد، ربما كانت موقع قبر بيهور وبيديسي أو نسخةً طبق الأصل من مقبرتهما.

 

الزخارف

يزدان المعبد بنقوش بارزة كانت مطلية سابقا بألوان زاهية. يصور أغسطس كملك يتفاعل مع الآلهة. ومن بين هذه الآلهة: أرسنوفيس، وأموم ملك ديبود، وحتحور ملكة بيجا، وحربوقراط، وإيزيس، وحورس، وأوزيريس، وخنوم، ومندوليس، ونفتيس، وساتيس، وتيفان، وجحوتى. أما الزخارف على أساسات المعبد فتصور نباتات اللوتس والبردى وهي تنبت من النيل، رمزًا للإله حعبي. ويقع قرص الشمس المجنح للإله حورس، الذي يرمز إلى السماء، فوق الصرح وفوق مدخل المعبد.

 

يتكرر موضوع السماء في زخارف النسور على سقف الرواق الأمامي. وباستثناء النقوش البارزة على إطارات أبواب الغرفة الأمامية والجدران الخلفية للمعبد، فإن الغرفة الأمامية والمعبد غير مزخرفين. ويصور المعبد بيديسي وبيحور كإلهين شابين يعبدان أوزوريس وإيزيس على التوالي. أما المنحوتات البارزة الغائرة على الجدران الخارجية للمعبد فتصور الإمبراطور أغسطس كملك يقدم القرابين للإلهات إيزيس وأوزيريس وابنهما حورس.

تشير الهيروغليفية الموجودة على النقوش إلى أغسطس بصفته فرعونا وقيصرا وحاكما مطلقا.

والكلمة الأخيرة هي صيغة مختلفة من كلمة "حاكم مطلق"، وهي المقابلة اليونانية لكلمة "إمبراطور".

ويبدو أن هذا الخطأ مقصود لتحقيق تناسق أفضل في الكتابة الهيروغليفية. ويزدان المدخل الجنوبي الخارجي بحيّات الكوبرا التي ترتدي تيجانًا مصرية من مصر السفلى والعليا. يمثل التاج الأبيض مصر العليا، بينما يمثل التاج الأحمر مصر السفلى. وعلى الجانب الأيسر، تصور إيزيس واقفة مرتدية غمدا ضيقا، وغطاء رأس من قرن بقرة، وقرصا مجنحا يرمز إلى إلهة الشمس. تحمل في إحدى يديها رمز عنخ، رمز الحياة. تصور اللوحة على الجدار الجنوبي الداخلي للملك وشقيقيه وهم يتلقون هدايا من الماء والبخور. كان المصريون يعتقدون أن تقديم البخور للآلهة يخلد الملك أغسطس. كان الشقيقان جالسين، يمسكان بيد كل منهما صولجانا، رمزا للقيادة والحياة. تظهر إيزيس على الجدار الشمالي للفناء. أعمدة الرواق مزينة بنقوش غائرة تصور رجالا يقدمون هدايا من الحيوانات والزهور إلى المعبد.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق