معبد هيبس في محافظة الوادي الجديد واحد من أبرز المعابد المصرية القديمة، ليس فقط لما يمثله من قيمة أثرية وتاريخية، وإنما لكونه شاهدًا على امتداد الحضارة المصرية عبر عصور مختلفة، ودقة المصري القديم في توظيف علوم الفلك والهندسة في بناء معابده.
ويقع المعبد على بُعد نحو 3 كيلومترات شمال مدينة الخارجة، وشُيد من الحجر الرملي، ويكتسب أهمية استثنائية باعتباره المعبد الوحيد المتبقي من العصر الصاوي الفارسي، كما ارتبط عبر تاريخه بالعصرين البطلمي والروماني.
معبد امتدت إليه يد ملوك عدة
بدأت أعمال إنشاء معبد هيبس في عهد الأسرة السادسة والعشرين، ثم استُكمل بناؤه في عهد الملك الفارسي دارا الأول خلال الفترة من 510 إلى 490 قبل الميلاد، قبل أن تمتد إليه إضافات أخرى في عصور لاحقة، خاصة خلال الأسرة الثلاثين والعصرين اليوناني والروماني.
وشُيد المعبد على مساحة تبلغ نحو 798 مترًا مربعًا، بطول 42 مترًا وعرض 19 مترًا، وأقيم فوق منطقة مرتفعة نسبيًا عن الأراضي المحيطة، بحيث يبدو بارزًا وسط المدينة القديمة.
وكرس المعبد لعبادة ثالوث طيبة: آمون وموت وخنسو، إلى جانب ثالوث أوزير وإيزيس وحورس وعدد من المعبودات الأخرى.
طريق الكباش وقدس الأقداس
يتميز معبد هيبس بتخطيط يحاكي النمط التقليدي للمعابد المصرية، بداية من الصرح والفناء المكشوف، ثم صالة الأعمدة وصولًا إلى قدس الأقداس.
ويضم المعبد عددًا من البوابات التي تعكس المراحل التاريخية المختلفة التي مر بها، من بينها البوابة الرومانية التي تحمل نقشًا يونانيًا يعود إلى عهد الإمبراطور جلبا عام 69 ميلادية، ثم البوابة البطلمية، والبوابة الفارسية التي شيدت في عهد دارا الأول، ومنها يبدأ طريق الكباش المؤدي إلى البوابة الكبرى ثم البوابة الرئيسية للمعبد.
وفي نهاية هذا الامتداد يقع قدس الأقداس، الذي يضم نقوشًا مميزة تعد من أبرز عناصر المعبد.
الفلك حاضر في بناء المعبد
ولا تتوقف أهمية هيبس عند قيمته المعمارية، إذ يرى الباحثون أن بعض الظواهر التي تظهر في قدس الأقداس ترتبط بالحسابات الفلكية التي عرفها المصري القديم.
وتشير المادة إلى أن المصريين القدماء كانوا يدرسون إقامة المعابد بصورة علمية ومدروسة، من خلال حسابات دقيقة لشروق الشمس وغروبها، ومعرفة مدارات الكواكب ووضع التقويم، وهو ما انعكس على تصميم بعض المنشآت والمعابد.
ومن هنا، فإن ما يظهر من ظواهر فلكية داخل المعبد لا يمثل مجرد مصادفة، وإنما يكشف عن جانب من المعرفة التي امتلكها المصري القديم في الفلك والهندسة وحساب الزمن.
معبد يجمع حضارات متعاقبة
وتكمن فرادة معبد هيبس أيضًا في أنه يحمل آثار مراحل تاريخية متعددة؛ فمن العصر المصري القديم إلى العصر الفارسي، ثم البطلمي والروماني، ظل المعبد محتفظًا بمكانته الدينية والمعمارية، وهو ما جعله وثيقة حجرية تختصر فصولًا متعاقبة من تاريخ مصر.
وقد بدأت أعمال الاهتمام الحديث بالمعبد خلال القرن التاسع عشر، قبل أن تتولى مصلحة الآثار المصرية عمليات ترميم وتقوية لعناصره خلال أربعينيات القرن العشرين، ثم استمرت أعمال الترميم خلال العقود التالية لإعادة تثبيت الأحجار ومعالجة الشروخ وإحلال بعض العناصر المفقودة.














0 تعليق