ننشر مقالة بعنوان "بلاغة الخوارزمية: هل يمتلك الذكاء الاصطناعى حساً نقدياً؟" للدكتورة دعاء النمر، تقول فيه:
هل يمنح المعجم الإحصائى الزاخر، الذى تختزنه الآلة، معياراً حقيقياً لقياس دقة المادة المكتوبة أو تذوق اللوحة الفنية؟ وهل تملك الخوارزميات من شجن الحياة وألم التجربة ما يؤهلها للتحليل النقدي، وفك شفرات ما وراء السطور والخطوط من معاناة ومعايشة إنسانية؟
فى زحام العصر الرقمي، لم يعد التساؤل المتردد على ألسنة النقاد والإعلاميين والأدباء يقتصر على قدرة الآلة على مجاراة الإنسانية فى سكب مشاعرها، بل أصبحنا أمام إشكالية أكثر تركيباً؛ إشكالية تبدأ حين تقف التكنولوجيا عند عتبة الوجدان لتمارس فعل التذوق والحكم الجمالي. إن النص الأدبى ليس مجرد معادلة رياضية تُحل، ولا اللوحة التشكيلية تركيباً أعمى للألوان، بل هما مساحتان تتنفس فيهما الروح، ويتشكل داخل طياتهما التاريخ واللاوعى وألم التجربة.
من هنا، يفرض السؤال نفسه بحِدة: هل يملك النموذج الخوارزمي، المُدار بالاحتمالات والمتغيرات الإحصائية ولغة الأرقام والحس الآلي، أن ينفذ إلى جوهر الفعل الإبداعى ليمارس "النقد" بمفهومه الفلسفى والإنسانى والجمالى العميق؟ أم أن الآلة ستظل مهما بلغت ذروة ذكائها تقف على الشاطئ، ترصد حركة الموج دون أن تجرؤ على الغوص فى أعماقه؟
بين التفكيك الخوارزمى والكشف الوجداني
تتكئ نماذج الذكاء الاصطناعى على مخزون خوارزمى هائل من البيانات والمعاجم، مما يمنحها ذكاءً إجرائياً فى تفكيك النصوص، ورصد أوزان العروض، وضبط الأنماط البلاغية والأسلوبية فى طرفة عين. هذا العتاد التقنى يُعد رافداً مساعداً فى مجالات التوثيق والتحليل الشكلى والهيكلي، إلا أن النقد الفنى الأصيل ليس مجرد مسح للبلاغة، ولا رصد حركى للمفردات، بل هو فعل نفاذ إلى روح العمل الإبداعي.
فعلى المستوى التطبيقى العملي: لو ألقينا خوارزميات التحليل على القصيدة الشهيرة لسلطان العاشقين ابن الفارض:
"قَلبى يُحدثنى بِأَنكَ مُتلِفي.. روحى فِداكَ عَرَفتَ أَم لَم تَعرفِ"
ستلتقط الآلة بسرعة قياسية وزن البحر الشعرى وتفعيلاته، وستحصى المحسنات البديعية من طباق وجناس، وستصنف مفردات القلب والروح والتلف ضمن حقل معجمى جاهز
للعشق الصوفى المتكرر". لكن عين الخوارزمية الجافة ستظل عاجزة عن استشعار شجن الفناء فى المحبوب، أو إدراك لوعة العشق الصوفى المتجلى فى هذا التسليم المطلق؛ إذ لن تفهم كيف تتحول كلمة "مُتلِفي" من مدلولها اللغوى الظاهرى القائم على الهلاك إلى أسمى معانى التحقق والخلود الروحى لدى الشاعر.
وفى الفنون التشكيلية، عندما تمرر برامج الرؤية الحاسوبية عينها الرقمية على لوحة "الموناليزا" لليوناردو دا فينشي، تتكفل الخوارزميات بقياس التباين الضوئي، وتحليل انحناءات الخطوط، وتقنيات التظليل، ورصد درجات الألوان بدقة متناهية. هذا رصد تقنى مبهر، لكن الآلة تظل بكماء أمام معضلة "الابتسامة الغامضة" وما يغمره العالم المحيط باللوحة إذ لا تجد فى مصفوفاتها تفسيراً لتلك المسافة الفاصلة بين الحزن الشفيف والسكينة، ولا تستطيع قراءة السر الخفى الذى جعل العالم يقف مدهوشاً أمام سر الجمال الحبيس فى ملامحها، لأن الخوارزميات تملك القدرة على الرصد الهندسي، وتفتقد الحاسة التى تتذوق غموض النفس البشرية.
فالنقد فى عمقه هو "كشف جمالي" وتأويل يتخلق من اللحظة التاريخية والنفسية والسياق الثقافى الذى وُلد فيه العمل. قد تتعرف الآلة على استعارات "الليل" أو "البحر" أو "السماء" كبيانات إحصائية متكررة،لكنها تعجز عن التقاط التنهيدة الوجدانية الخفية، وذاك الحس الإنسانى العميق، وتلك الروح الشفيفة التى تسكن الألوان والخطوط، والتى جعلت المبدع يستدعى هذه المفردة تحديداً دون غيرها ليصوغ بها تجربة إنسانية فريدة، ذائبة فى ألمها أو أملها.
بين شغف العين الإِنسانِية وجمود العدسة الخوارزمِية
اللاوعى والخبرة الذاتية:
تتجلى البصمة الإنسانية جليّة فى رواية "اللص والكلاب" لنجيب محفوظ، إذ يتجاوز النص القواعد التنسيقية الجاهزة ليرسم الأزمة النفسية لشخصية "سعيد مهران". ولو تولت أداة رقمية تحليل البناء اللغوي، لعدّت لجوء الكاتب للغة الدارجة فى بعض المواقف، أو انتقاله المفاجئ من الحوار الخارجى بين الشخصيات إلى نجواها الباطنية، خروجاً غير مبرر عن المسار السردى المتوقع. غير أن الناقد الإنسانى يدرك أن هذا التكسير فى القالب والتذبذب بين التعاطف والإدانة ليس إخفاقاً إجرائياً، بل هو انسياب إبداعى صادق يعكس تخبط النفس البشرية فى مواجهة محنتها؛ وهو ما تعجز عن دركه العين الخوارزمية الجامدة. فالآلة تقيس انضباط الهيكل الحرفى وتماثل الأنماط، بينما يفهم العقل الإنسانى أن الاضطراب الصادق فى تدفق المشاعر هو الصانع الحقيقى لخلود العمل الفني، وبنائه الدرامى الواقعى النابع من عمق المعايشة
الدهشة والتأويل:
أظهرت التجربة العملية فى تقييم النصوص عبر الذكاء الاصطناعي، أن الخوارزميات تمنح تقييماً مرتفعاً للنصوص التى تعتمد على "التماثل الهندسى المتوقع" والقافية المكررة، بينما تمنح تقييماً منخفضاً للصور الشعرية المكثفة والمجازات الوجدانية المركبة؛ كما فى قول "السهروردي" فى نفحته الروحية الشاهقة:
"أَبَداً تَحِنُّ إِلَيكُمُ الأَرواحُ.. وَوِصالُكُم رَيحانُها وَالرَّاحُ"
إذ تكتفى العين الخوارزمية برصد الأوزان العروضية وإحصاء مفردتى "الريحان" و"الراح" ضمن حقل معجمى تقليدي، يتكىء على الرمز الصوفى العميق الذى يتحول فيه "الراح" من حسّ الخمرة إلى سكرة الوجد ونقاء الوصل الإلهي. يقف الذكاء الاصطناعى عند حدود التفكيك اللغوي، بينما يتفاعل الناقد الإنسانى بذائقة حية خاضعة للدهشة وشغف المعايشة ليفك شفرات التجربة، فى الوقت الذى تعيد فيه الخوارزمية إنتاج "متوسط إحصائي" لما قرأته فى قواعد بياناتها.
إن التقنية تنظر إلى النص من الخارج كمبنى هندسى متناسق، بينما ينفذ الناقد والأديب إلى الداخل حيث تعيش الروح ويتشكل المعنى.
الآلة مرآةً للتحليل.. لا بديل عن الروح
لا ينبغى التعامل مع الذكاء الاصطناعى بوصفه نداً يعبث بمقدسات النقد، بل كمرآة إحصائية كاشفة تُعفى الناقد من عناء التوثيق الإجرائى والمسح المعجمي، لتفسح له الطريق نحو الفعل الأسمى: التأويل الجمالي، والمساءلة الفلسفية، واقتحام ما وراء السطور.
سيبقى الذكاء الاصطناعى بارعاً فى رصد الأنماط وهندسة الشكليات، لكنه سيظل واقفاً على العتبة، عاجزاً عن التورط فى الدهشة التى هى نبض الفن وجوهره وأصالته، بعيداً عن المعايشة والعين الناقدة والحالة الشعورية المحيطة بالعمل الأدبى والفني. ومهما بلغت خوارزميات الآلة من دقة وتطور، ستظل البصمة الإنسانية بوجدانها المنصهر فى نار التجربة والمعايشة— هى الحارس الأخير لأصالة الإبداع وصدقه وخلوده.











0 تعليق