لم تكن الصلة بين الأحياء والموتى فى مصر القديمة تنتهى دائمًا عند باب المقبرة، فقد ترك المصريون القدماء وراءهم مجموعة نادرة من الرسائل التى وجهوها إلى أقارب رحلوا عن الحياة، تحدثوا فيها عن المرض والميراث والمشكلات العائلية، وطلبوا منهم التدخل والمساعدة، بل عاتب بعضهم الموتى عندما اعتقدوا أنهم يقفون وراء ما أصابهم من متاعب.
وبحسب مشروع Digital Egypt for Universities التابع لجامعة كوليدج لندن، بقى لنا نحو 15 رسالة من هذا النوع ترجع إلى فترات تمتد من أواخر الدولة القديمة إلى أواخر الدولة الحديثة، ويعود معظم النماذج المعروفة إلى أواخر الدولة القديمة وعصر الانتقال الأول، وقد عثر على كثير منها داخل المقابر أو بالقرب منها.
ولم تكن هذه الرسائل مجرد كلمات يكتبها شخص مشتاق إلى قريب رحل، وإنما كانت فى أغلب الأحيان مرتبطة بمشكلة حقيقية يواجهها صاحب الرسالة ولا يستطيع حلها، فيلجأ إلى المتوفى طالبًا منه التدخل من العالم الآخر.
رسائل على الأوانى والكتان والبردى
استخدم المصريون القدماء أكثر من وسيط لكتابة رسائلهم إلى الموتى، فظهرت النصوص على الأوانى الفخارية والكتان والبرديات وغيرها من المواد، وكان من الشائع وضع الرسالة فى المقبرة أو بالقرب من مكان تقديم القرابين للمتوفى.
وتكشف هذه النصوص جانبًا شديد الخصوصية من حياة المصريين القدماء؛ فهى لا تسجل قرارات ملكية أو انتصارات عسكرية أو طقوسًا رسمية، وإنما تدخل مباشرة إلى مشكلات الأسرة اليومية، من خلافات حول الممتلكات والميراث إلى المرض والخوف على الأبناء.
وكان الاعتقاد الذى يقف وراء هذه الممارسة يقوم على أن المتوفى لا يفقد قدرته على التأثير بمجرد الموت، وأنه يستطيع مساعدة أسرته، أو التدخل لصالحها فى العالم الآخر، بل كان بعض أصحاب الرسائل يعتقدون أن روح المتوفى نفسها قد تكون مسؤولة عن مشكلة أصابت الأحياء.
رجل يطلب مساعدة والديه المتوفيين
ومن أشهر النماذج ما يعرف بـإناء قاو، المحفوظ فى متحف بترى للآثار المصرية بجامعة كوليدج لندن، والذى يحمل رسالتين كتبهما رجل يدعى «شبسى» إلى والديه المتوفيين.
وكتب شبسى إلى والده على الجزء الداخلى من الإناء، بينما وجه رسالة أقصر إلى والدته على الجزء الخارجى، طالبًا مساعدتهما فى نزاع يتعلق بالممتلكات، ومذكرًا والده بما فعله من أجل أفراد أسرته وما قدمه لهم خلال حياتهم وبعد وفاتهم.
وتوضح الرسالة طبيعة العلاقة التى تصورها صاحبها مع والديه بعد موتهما؛ فلم يكن يخاطبهما باعتبارهما مجرد ذكرى، وإنما باعتبارهما قادرين على التدخل والمساعدة فى مشكلة لا يزال يعانيها فى عالم الأحياء.
أم تخشى على ابنتها وتستعين بزوجها الراحل
ويحتفظ متحف بترى أيضًا بإناء آخر عثر عليه فى «هو» بصعيد مصر، يحمل رسالة كتبتها امرأة إلى زوجها المتوفى، وطلبت منه أن يتدخل من أجل ابنتهما بعدما تعرضت، وفق ما تفهمه الرسالة، لأذى أو ظلم.
وتعد هذه الرسائل ذات أهمية خاصة لأنها تحتفظ بأصوات أشخاص عاديين نسبيًا، وبينها بعض أقدم النصوص الباقية التى تنقل رسائل مباشرة كتبتها نساء فى مصر القديمة.
وتكشف الرسالة كذلك عن تصور يشبه نوعًا من الالتزام المتبادل؛ فالأحياء يواصلون تقديم القرابين والاهتمام بذكرى المتوفى، وفى المقابل ينتظرون منه أن يستخدم مكانته فى العالم الآخر لمساندتهم.
زوج يعاتب زوجته بعد موتها
ومن أكثر الرسائل إثارة من الناحية الإنسانية بردية ترجع إلى العصر الرعامسى، تعرف باسم Papyrus Leiden I 371، وفيها يوجه رجل رسالة إلى زوجته المتوفاة.
ويذكرها الزوج بالطريقة التى عاملها بها أثناء حياتها وبالعلاقة التى جمعتهما، ويعرض ما قدمه لها، فى سياق عتاب نابع من اعتقاده بأنها أصبحت مرتبطة بما يمر به من متاعب بعد وفاتها. وتشير جامعة كوليدج لندن إلى أن هذه البردية تمثل نموذجًا لزوج يخاطب زوجته الراحلة ويذكّرها بحبه ومعاملته لها أثناء حياتها.
وتمنح هذه الرسالة صورة مختلفة تمامًا عن النصوص الجنائزية الرسمية؛ فبدلًا من الصيغ الدينية المعتادة نجد رجلًا يتحدث عن حياته الزوجية، ويستدعى ذكريات العلاقة القديمة دفاعًا عن نفسه أمام زوجته التى رحلت منذ سنوات.
لماذا كانوا يكتبون إلى الموتى؟
تشير الرسائل الباقية إلى أن الأسباب الأكثر شيوعًا للجوء إلى الموتى كانت مرتبطة بمشكلات يصعب حلها بالوسائل المعتادة، وبينها المرض والنزاعات على الممتلكات والميراث ومشكلات الأسرة، إذ كان صاحب الرسالة ينتظر من قريبه المتوفى أن يتدخل لصالحه، وأحيانًا أن يدافع عنه أمام محكمة العالم الآخر.
وتؤكد هذه النصوص قوة الاعتقاد بالحياة بعد الموت عند المصريين القدماء، لكنها تكشف أيضًا جانبًا إنسانيًا أكثر عمقًا؛ فالموت بالنسبة إلى أصحاب هذه الرسائل لم يكن يعني بالضرورة نهاية العلاقة الأسرية، بل استمرارها بصورة مختلفة، بما فيها من حب وطلب للمساعدة وعتاب وحتى خلافات.
ورغم أن عدد الرسائل التى وصلت إلينا محدود، فإن امتدادها عبر فترات زمنية ومناطق مختلفة من مصر دفع الباحثين إلى اعتبارها مؤشرًا على ممارسة كانت أوسع مما بقي منها، خاصة أن كثيرًا من التواصل مع الموتى ربما كان شفهيًا ولم يترك أثرًا يمكن العثور عليه اليوم.
















0 تعليق