بعد أكثر من عقد على رحيل الكاتبة البريطانية إليزابيث جين هاورد، تعود عائلتها الروائية الشهيرة إلى الحياة من جديد، لكن هذه المرة بقلم ابنة شقيقتها الكاتبة لويزا يونج، التي قررت استكمال سلسلة “Cazalet Chronicles” بثلاث روايات جديدة، في خطوة تحمل قدرًا كبيرًا من المخاطرة أمام جمهور ظل وفيًا للسلسلة لعقود.
بدأت هاورد كتابة السلسلة في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، بعدما كانت تبحث عن مشروعها الروائي التالي. وكانت قد نشرت وقتها سبع روايات، من بينها “The Beautiful Visit”، التي فازت بجائزة John Llewellyn Rhys عام 1951، و”The Long View”، التي عُرفت باستخدامها التسلسل الزمني العكسي.
وبناءً على نصيحة الروائي مارتن أميس، اختارت هاورد أن تكتب ملحمة عائلية مستوحاة من حياتها، لتظهر بعدها سلسلة “Cazalet Chronicles”، التي تتكون من خمسة أجزاء، وتتابع حياة عائلة كبيرة بين لندن ومنزلها العائلي في ساسكس، بدءًا من عام 1937 وحتى 1958.
من حياة الكاتبة إلى صفحات الرواية
وزعت هاورد جوانب من تجربتها الشخصية على عدد من الشخصيات، في مقدمتها ثلاث شابات هن بولي وكلاري ولويز، إلى جانب عشرات الشخصيات الأخرى، لتتحول السلسلة تدريجيًا إلى ظاهرة أدبية عالمية، بعدما باعت ملايين النسخ وظلت متاحة للقراء منذ صدورها.
لكن علاقة لويزا يونج بالسلسلة كانت مختلفة، فهي لم تكن قارئة شغوفة فحسب، بل كانت تقرأ حياة عائلتها أيضًا بين السطور.
كانت هاورد عمة يونج، وفي الوقت نفسه كانت يونج تعمل عام 1990، وهي في التاسعة والعشرين من عمرها، على أول كتبها، وهو سيرة عن جدتها النحاتة كاثلين سكوت. لذلك وجدت نفسها أمام مفارقة لافتة: عمتها تكتب نسخة روائية من حياة عاشتها بالفعل، بينما كانت هي تكتب عنها باعتبارها سيرة واقعية.
ومن خلال شخصيات الروايات وأحداثها، بدأت يونج تتعرف على أشخاص ومواقف من تاريخ عائلتها، وتلتقط إشارات إلى أسرار قديمة لم تكن تعرف تفاصيلها كاملة.
لكن هاورد لم تكن تعتبر رواياتها وثائق عن الماضي، وكانت عندما تسألها يونج عما إذا كانت بعض الأحداث قد وقعت فعلًا، تجيبها بأنها “حقيقية في روحها”، في إشارة إلى أن الحقيقة الأدبية لا تتطابق بالضرورة مع الحقيقة الواقعية.
ليست مجرد حكاية عائلية مرفهة
ورغم أن “Cazalet Chronicles” تُوصف أحيانًا بأنها قراءة مريحة، بسبب عالمها المليء بالطعام والملابس والخدم والتفاصيل العائلية، ترى يونج أن هذا الوصف يخفي الجانب الأكثر قتامة في السلسلة.
فوراء حياة الطبقة المتوسطة العليا، تناولت هاورد موضوعات قاسية، من الاغتصاب وإساءة معاملة الأطفال وسفاح القربى والانتحار والطلاق، إلى الحرب والخوف والفقدان والسرطان والموت.
وترى يونج أن الإقبال الكبير على السلسلة خلال جائحة كورونا لم يكن مفاجئًا، لأن شخصياتها عاشت بدورها تحت وطأة ظروف خارجة عن سيطرتها، وحُرمت من حرية الحركة والاختيار، واضطرت إلى مواجهة الخوف والملل والعزلة، قبل أن تتمكن في النهاية من النجاة.
من مجرد فكرة الي ثلاث روايات
لم تفكر يونج في استكمال السلسلة بجدية في البداية، جاءت الفكرة في نهاية رسالة إلى وكيلها الأدبي، كانت تقترح خلالها مجموعة من الأفكار لمشروعها المقبل، ثم أضافت ما اعتبرته وقتها مجرد مزحة: “أو يمكنني دائمًا محاولة استكمال Cazalet Chronicles”.
لكن المزحة تحولت إلى مشروع حقيقي بعدما حصلت على مباركة ابنة إليزابيث جين هاورد، كما عثرت على رسالة قديمة من عمتها تصف فيها إحدى رواياتها بأنها “انتصار”.
تحمس وكيلها للفكرة، وتواصل الفريق مع دار النشر التي أصدرت أعمال هاورد، بالإضافة إلى عدد من محرريها السابقين، قبل الاتفاق على كتابة ثلاث روايات جديدة.
وأعادت يونج قراءة السلسلة كاملة، لتكتشف عشرات الخيوط التي يمكن استكمالها، من بينها مصائر شخصيات وعلاقات تركتها هاورد دون نهاية واضحة.
وكان من أبرز هذه الخيوط العلاقة المضطربة بين جولييت ونفيل، ومصير فيلي والدة لويز، وشخصية راشيل التي لم تدرك لسنوات أنها مثلية، إلى جانب سيباستيان، الابن الذي تخلت عنه لويز.
كما تحاول يونج في الروايات الجديدة الحفاظ على البناء الذي ميز أعمال هاورد، خصوصًا تقسيم الأحداث إلى مقاطع تتنقل بين وجهات نظر الشخصيات، لكنها تسمح في الوقت نفسه للغة جيلها بأن تظهر مع انتقال القصة إلى زمن جديد.
واليوم، أصبحت يونج في العمر نفسه تقريبًا الذي كانت عليه هاورد عندما كتبت ملحمتها المستوحاة من حياتها. وبينما تتساءل عما إذا كان من حقها اعتبار الروايات الجديدة ملكًا لها، تصل إلى إجابة أكثر تعقيدًا بمجرد أن واصلت حياة هذه الشخصيات، أصبحت جزءًا من عالمها هي أيضًا.
وتقول يونج إن ما تكتبه ليس تقليدًا لأعمال عمتها ولا مجرد تحية لها، بل محاولة لإبقاء قصة عائلية حية ومستمرة، وكأن الشخصيات لم تغادر عالمها الروائي أصلًا، وإنما واصلت حياتها بعيدًا عن الصفحة، في انتظار من يكتب ما حدث لها بعد ذلك.









0 تعليق