تحول ديوان "أزهار الشر» لشارل بودلير مع مرور الزمن إلى واحد من أشهر الأعمال المؤسسة للشعر الحديث، لكن الكتاب الذى أصبح لاحقًا جزءًا من كلاسيكيات الأدب الفرنسى بدأ حياته فى قاعة محكمة، بعدما رأت السلطات الفرنسية أن بعض قصائده تمثل اعتداءً على الأخلاق العامة، وانتهت القضية بحذف ست قصائد ومنع نشرها فى فرنسا، وهو المنع الذى ظل قائمًا لمدة 92 عامًا قبل أن تسقط محكمة النقض الفرنسية الحكم فى عام 1949.
وتكشف قصة «أزهار الشر» عن واحدة من أشهر المواجهات بين الأدب والرقابة فى القرن التاسع عشر، فقد تحولت قصائد بودلير التى تناولت الجسد والرغبة والخطيئة والموت والمدينة إلى قضية قضائية، بينما كان الكتاب نفسه يشق طريقه تدريجيًا ليصبح عملًا مفصليًا فى تاريخ الشعر الفرنسى.
كتاب ظل سنوات يبحث عن اسمه
لم يظهر «أزهار الشر» فجأة فى عام 1857، بل كان حصيلة مشروع أدبى عمل عليه بودلير لسنوات طويلة، وتغير عنوانه أكثر من مرة قبل الوصول إلى الاسم الذى عرفه العالم فيما بعد.
ففى أربعينيات القرن التاسع عشر جرى الإعلان عن مجموعة شعرية لبودلير تحت عنوان Les Lesbiennes، ثم ظهر لاحقًا عنوان آخر هو Les Limbes، قبل أن يستقر الشاعر فى منتصف خمسينيات القرن على اسم Les Fleurs du Mal، أو «أزهار الشر».
وكان بودلير قد نشر قصائد متفرقة من المشروع فى الصحف والمجلات، لكن نقطة التحول جاءت فى الأول من يونيو عام 1855 عندما نشرت مجلة Revue des Deux Mondes مجموعة من 18 قصيدة تحت عنوان «أزهار الشر».
ولم تكن القصائد المنشورة مجرد مختارات منفصلة؛ فقد رتبها بودلير بصورة تكشف عن فكرة واضحة لبناء الكتاب، وهو ما تشير إليه المكتبة الوطنية الفرنسية باعتباره نموذجًا مصغرًا للهيكل الذى سيظهر به الديوان بعد عامين.
100 قصيدة تخرج إلى النور
فى 30 ديسمبر 1856 وقع بودلير عقد نشر الديوان مع الناشر أوجست بوليه-مالاسيس وشريكه أوجين دو برواز، وبدأت مرحلة شاقة من المراجعة والتصحيح، كان خلالها الشاعر شديد التدقيق فى الكلمات وعلامات الترقيم وحتى التفاصيل الطباعية.
وفى 21 يونيو 1857 خرجت الطبعة الأولى من «أزهار الشر» إلى النور فى نحو 1100 نسخة.
وضمت الطبعة، بعد قصيدة الافتتاح «إلى القارئ»، 100 قصيدة بالضبط، توزعت على خمسة أقسام هى «السأم والمثال»، و«أزهار الشر»، و«التمرد»، و«الخمر»، و«الموت». وتلفت المكتبة الوطنية الفرنسية إلى أن عدد القصائد يساوى عدد أناشيد «الكوميديا الإلهية» لدانتى، وهو ما يعكس عناية بودلير ببناء الكتاب كوحدة شعرية متكاملة.
قدم بودلير فى الديوان عالمًا مختلفًا عن الصورة التقليدية للجمال الشعرى؛ فقد كتب عن الشر والخطيئة والملل والرغبة والموت، وحاول استخراج الجمال من المناطق المظلمة فى النفس والحياة، وهو الاتجاه الذى سيجعله لاحقًا واحدًا من أهم رموز الحداثة الشعرية.
لكن ما سيعتبره النقاد بعد ذلك تجديدًا أدبيًا، رآه بعض معاصريه خروجًا على الأخلاق.
مقال فى «لو فيجارو» يشعل الأزمة
لم يمر سوى أسبوعين تقريبًا على صدور الكتاب حتى نشرت صحيفة لو فيجارو فى 5 يوليو 1857 مقالًا للناقد والصحفى جوستاف بوردان هاجم فيه الديوان هجومًا قاسيًا، واتهم بعض قصائده بعرض صور اعتبرها صادمة ومنافية للذوق والأخلاق.
وساهم المقال فى جذب انتباه السلطات إلى الكتاب، فتدخلت وزارة الداخلية وصودر الديوان وبدأت إجراءات الملاحقة القضائية.
ووجهت إلى بودلير وناشريه تهمتان: الإساءة إلى الأخلاق الدينية، والإساءة إلى الأخلاق العامة والآداب.
وكانت فرنسا قد شهدت فى العام نفسه محاكمة رواية جوستاف فلوبير «مدام بوفارى» على خلفية اتهامات أخلاقية مشابهة، وهو ما جعل عام 1857 واحدًا من أبرز الأعوام فى تاريخ الصدام بين الأدب والقضاء الفرنسى.
بودلير أمام المحكمة
وصلت القضية إلى المحكمة الجنائية فى باريس خلال أغسطس 1857، وانتهت المحاكمة فى 20 أغسطس ببراءة بودلير من تهمة الإساءة إلى الأخلاق الدينية، بينما أدين بتهمة الإساءة إلى الأخلاق العامة والآداب.
وفرضت المحكمة على الشاعر غرامة قدرها 300 فرنك، كما فرضت غرامة قدرها 100 فرنك على كل من ناشريه، قبل أن تخفض غرامة بودلير لاحقًا.
لكن أخطر ما فى الحكم لم يكن الغرامة المالية، بل قرار المحكمة حذف ست قصائد كاملة من الكتاب ومنع نشرها.
ما القصائد الست التى منعتها فرنسا؟
حدد الحكم ست قصائد رأى القضاء أنها تجاوزت الحدود المقبولة، وهى:
«Les Bijoux» أو «الجواهر»، و«Le Léthé» أو «ليثى»، و«À celle qui est trop gaie» أو «إلى تلك المرحة أكثر مما ينبغى»، و«Lesbos»، و«Femmes damnées» أو «النساء الملعونات»، و«Les Métamorphoses du Vampire» أو «تحولات مصاصة الدماء».
وتدور القصائد بدرجات مختلفة حول الجسد والرغبة والإغواء والعلاقات الجنسية والموت، وهى الموضوعات التى تعامل معها القضاء بمنظور أخلاقى مباشر، بينما كان بودلير يرى أن قراءة كتابه بهذه الطريقة تتجاهل البناء الرمزى والفنى للنصوص.
الحكم يغير شكل «أزهار الشر»
أصيب بودلير بشدة من الحكم، لكنه لم يتخل عن الكتاب، وواصل كتابة قصائد جديدة وإعادة النظر فى بنائه.
وفى فبراير 1861 ظهرت الطبعة الثانية من «أزهار الشر»، لكنها حملت أثر المحاكمة بوضوح؛ فقد اختفت منها القصائد الست المحظورة التزامًا بالحكم، فى الوقت الذى أضاف فيه الشاعر 32 قصيدة جديدة.
وهكذا أصبحت الطبعة الثانية تضم 126 قصيدة، كما أعاد بودلير تنظيم الكتاب وأضاف قسمًا جديدًا حمل عنوان «لوحات باريسية»، ليصبح حضور المدينة والحياة الحديثة أكثر وضوحًا فى الديوان.
وكان للحكم القضائى أثر آخر أبعد مدى؛ إذ تشير المكتبة الوطنية الفرنسية إلى أن حذف القصائد الست جعل من المستحيل معرفة الشكل النهائى الذى كان بودلير سيمنحه للكتاب لو كان حُرًا فى الاحتفاظ بها عند إعداد الطبعات التالية.
القصائد تظهر خارج فرنسا
لم يؤد المنع إلى اختفاء القصائد الست، فقد ظهرت بعد سنوات خارج فرنسا، وأعيد نشرها فى بلجيكا ضمن مجموعة Les Épaves عام 1866، لكنها ظلت خاضعة للحظر القانونى داخل فرنسا.
وكان بودلير وقتها يعيش سنواته الأخيرة، ولم يشهد اليوم الذى سيعترف فيه القضاء الفرنسى بأن الحكم الصادر ضده كان خطأ.
وتوفى الشاعر فى باريس فى 31 أغسطس 1867، عن عمر 46 عامًا، بينما ظل الحكم القضائى قائمًا فوق كتابه.
الأدب ينتصر ببطء
خلال العقود التالية تغيرت النظرة إلى بودلير بصورة جذرية، فالكتاب الذى وصفه بعض معاصريه بأنه خطر على الأخلاق تحول تدريجيًا إلى أحد الأعمال الكبرى فى الأدب الفرنسى، وأصبح بودلير مصدر تأثير لعدد من أبرز شعراء الأجيال التالية.
ورأى فيه فيرلين شاعرًا استطاع التعبير عن الإنسان الحديث، بينما وصفه رامبو لاحقًا بأنه «أول الرائين» بين الشعراء، وأصبح تأثير «أزهار الشر» واضحًا فى تطور الرمزية والحداثة الشعرية الأوروبية.
لكن المفارقة ظلت قائمة: الكتاب أصبح جزءًا من تاريخ الأدب، بينما بقي حكم قضائى من القرن التاسع عشر يمنع رسميًا ستًا من قصائده.
بعد 92 عامًا.. المحكمة تعيد فتح القضية
احتاج الأمر إلى ما يقرب من قرن حتى يصل الملف مرة أخرى إلى القضاء، وفى أعقاب صدور تشريع فرنسى عام 1946 سمح بمراجعة بعض الأحكام المتعلقة بالمؤلفات الأدبية، تحركت جمعية رجال الأدب الفرنسية من أجل إعادة النظر فى قضية بودلير.
ووصلت القضية إلى محكمة النقض الفرنسية، التى أصدرت فى 31 مايو 1949 حكمها التاريخى بإلغاء إدانة بودلير وناشريه الصادرة سنة 1857.
ورأت المحكمة عند مراجعة القصائد أن النصوص محل الاتهام لا تتضمن ألفاظًا فاحشة أو سوقية، وأن الحكم القديم تعامل معها من خلال تفسير واقعى مباشر وأغفل معناها الرمزى والفنى، وهو ما اعتبرته المحكمة تقييمًا تعسفيًا لم تصدق عليه لاحقًا لا مكانة العمل الأدبية ولا رأى القراء والنقاد.
وبهذا القرار انتهى رسميًا الحظر الذى بدأ فى أغسطس 1857، وأصبح نشر القصائد الست فى فرنسا قانونيًا بعد 92 عامًا من صدور الحكم الأول.
كتاب أدانته المحكمة وخلده الأدب
تكشف رحلة «أزهار الشر» كيف يمكن أن يتغير الحكم على العمل الفنى بتغير الزمن؛ فالقصائد نفسها التى اعتبرت فى منتصف القرن التاسع عشر خطرًا على الأخلاق أصبحت بعد ذلك جزءًا من التراث الأدبى الفرنسى.
ولم تمنع المحاكمة الكتاب من الانتشار، ولم يؤد حذف القصائد الست إلى محوها، بل أصبحت القضية نفسها جزءًا من تاريخ الديوان ومن قصة الصراع الطويل حول حدود حرية الأدب.
ومات بودلير قبل أن يرى تبرئته بأكثر من ثمانين عامًا، لكن الكتاب الذى حوكم بسببه واصل حياته من جيل إلى آخر، حتى وصل القضاء الفرنسى نفسه فى النهاية إلى إلغاء الحكم الذى صدر عليه.
وهكذا خسر «أزهار الشر» معركته الأولى داخل المحكمة عام 1857، لكنه بعد 92 عامًا كان قد كسب المعركة الأكبر: معركة البقاء فى تاريخ الأدب.
















0 تعليق