رجل مسن حافى القدمين، تبدو عليه علامات الإرهاق، ينحنى تحت حمل يفوق جسده كثيرًا، لكنه يواصل السير، وعلى ظهره ليست حقيبة أو صندوقًا، وإنما مدينة القدس كاملة، ببيوتها وقبابها، وفى القلب منها قبة الصخرة، بهذه الصورة البسيطة شديدة الكثافة صنع الفنان التشكيلى الفلسطينى سليمان منصور، عام 1973، واحدة من أشهر الصور فى تاريخ الفن الفلسطينى الحديث، وهى لوحة "جمل المحامل" التى تجاوزت حدود قاعات العرض لتصبح ملصقًا فى البيوت والمخيمات والمكاتب، وجزءًا من الذاكرة البصرية الفلسطينية.
وعادت اللوحة إلى دائرة الاهتمام بقوة بعد رحيل سليمان منصور يوم الاثنين 24 أغسطس 2026 عن عمر ناهز 79 عامًا، إذ ارتبط اسم الفنان طوال أكثر من نصف قرن بهذا العمل الذى اختزل علاقة الفلسطينى بوطنه والقدس، حتى إن وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا» وصفته عند رحيله بأنه صاحب اللوحة التى تحولت إلى «أيقونة فنية ووطنية».
البداية من عتالى القدس
لم تبدأ "جمل المحامل" بوصفها فكرة سياسية مجردة، وإنما خرجت من مشهد يومى ظل سليمان منصور يراه فى أزقة البلدة القديمة بالقدس.ففى أوائل سبعينيات القرن الماضى، وقبل انتشار وسائل النقل الصغيرة داخل الأزقة الضيقة، كان العتالون أو الحمّالون جزءًا مألوفًا من الحياة اليومية فى المدينة، ينقلون الأثاث والبضائع والأحمال الضخمة على ظهورهم عبر الطرق التى لا تستطيع السيارات دخولها.
جمل المحامل
وروى سليمان منصور بنفسه أن صورة هؤلاء الرجال استوقفته، خاصة أن بعضهم كان كبير السن أو ضعيف البنية، فيما يحمل فوق ظهره أشياء تبدو أحيانًا أكبر من جسده، وبدأ الفنان محاولاته برسم عتال يحمل أشياء مثل الثلاجة أو الخزانة، لكنه شعر أن النتيجة لا تتجاوز تسجيل مشهد واقعى عادى، وظل يبحث عن «الحمل» الذى يمكن أن يمنح الشخصية معناها الأوسع.
ثم جاءت الفكرة الحاسمة: ماذا لو حمل العتال القدس نفسها؟
ويقول منصور إنه وضع القدس أولًا داخل دائرة، لكنه وجد أن الشكل يوحى بأنها يمكن أن تتدحرج عن ظهر الرجل، فأضاف امتدادًا من الجانبين حتى أصبح الحمل أقرب إلى هيئة العين، وفى داخلها ظهرت المدينة، تتوسطها قبة الصخرة. واكتمل العمل فى أواخر عام 1973.
رجل يحمل مدينة كاملة
فى اللوحة يقف الرجل وحده تقريبًا داخل فضاء مفتوح، بلا تفاصيل مكانية كثيرة تشتت النظر عن الشخصية والحمل.
قدماه الكبيرتان حافيتان، وملابسه متواضعة، وجسده منحنى تحت ثقل المدينة، فيما تمتد ذراعاه إلى أعلى ممسكتين بالحبل الذى يثبت الحمل فوق ظهره.
أما القدس، فلا يقدمها منصور بوصفها مدينة واقعية كما تظهر فى صورة فوتوغرافية، وإنما باعتبارها صورة مثالية للمدينة فى الذاكرة؛ تتراكم بيوتها ومبانيها داخل الشكل الذى يشبه العين، وتحتل قبة الصخرة مركز التكوين.
وتصف مؤسسة دالول للفنون العمل بأنه يقدم تجربة المنفى من داخل فلسطين نفسها؛ فالرجل المتعب يحمل على ظهره القدس التى يصعب الوصول إليها، فى فضاء يبدو بلا نهاية، فيما تظهر المدينة كمكان مثالى مرغوب فيه أكثر من كونها مجرد خلفية معمارية.
ويفسر هذا البناء البصرى جانبًا كبيرًا من قوة اللوحة؛ فالوطن هنا ليس أرضًا يقف عليها الإنسان، وإنما شيء يحمله الإنسان معه، بما فيه من ذاكرة وتاريخ وثقل ومسؤولية.
لماذا سميت «جمل المحامل» رغم عدم وجود جمل؟
واحدة من المفارقات المرتبطة باللوحة أن سليمان منصور لم يضع لها الاسم الذى اشتهرت به، بعد نحو عامين من رسمها، شارك منصور عام 1975 فى معرض لرابطة الفنانين التشكيليين فى جمعية الشبان المسيحية بالقدس، وكانت اللوحة بين الأعمال المعروضة. ولاقت اهتمامًا لافتًا، واقترح عاملون فى مكتب للنشر بشارع صلاح الدين تحويلها إلى ملصق.
وعندما بدأ النقاش حول الاسم الذى سيكتب على الملصق، كان الروائى الفلسطينى إميل حبيبى موجودًا فى المكان، واقترح اسم «جمل المحامل»، فوافق عليه منصور ومن كانوا معه. وهذه الرواية حكاها الفنان نفسه أكثر من مرة.
ولا يشير الاسم إلى وجود حيوان الجمل داخل اللوحة؛ إذ تستخدم عبارة «جمل المحامل» للدلالة على الشخص الذى يتحمل الأعباء والمسؤوليات الثقيلة ويصبر عليها، وهو ما ينسجم بصورة مباشرة مع الرجل الذى يحمل القدس على ظهره.
هل ضاعت اللوحة الأصلية؟
لقصة «جمل المحامل» فصل آخر لا يقل إثارة عن مضمونها، يتعلق بمصير النسخ التى رسمها سليمان منصور بنفسه.
ظل الاعتقاد لسنوات أن اللوحة الأولى التى رسمها عام 1973 فُقدت، وكان الفنان نفسه يروى أنه فقدها فى ظروف غير واضحة، ثم أعاد تنفيذ الفكرة مرة أخرى.
لكن فى مارس 2015 حدث تطور مهم غيّر الرواية المعروفة عن العمل، كانت دار كريستيز تستعد لبيع نسخة «جمل المحامل» المرسومة عام 2005 فى دبى، وأدى الإعلان عن المزاد إلى اتصال جامع أعمال فنية يقيم فى لندن بالدار، وقال إنه يعتقد أن العمل الموجود لديه هو النسخة الأصلية.
وفحص خبراء كريستيز اللوحة، ثم أعلنت الدار فى بيان رسمى أنها النسخة الأصلية التى رسمها منصور عام 1973، وأنها لا تزال موجودة فى مجموعة خاصة فى بريطانيا. كما قالت كريستيز إن منصور أكد وجود ثلاث نسخ فقط نفذها بيده من هذا التكوين.











0 تعليق