مذبحة سان بارتيليمي.. الصراع الديني يتحول في فرنسا إلى مذبحة دامية

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

تمر اليوم ذكرى على مذبحة سان بارتيليمي، التي وقعت في فرنسا في 24 أغسطس 1572، وتعد واحدة من أشهر وأعنف حلقات الحروب الدينية التي شهدتها أوروبا في القرن السادس عشر، بعدما تحولت أعمال العنف التي استهدفت البروتستانت في باريس إلى موجة قتل امتدت لاحقًا إلى مدن فرنسية أخرى.

وجاءت المذبحة في خضم الصراع المحتدم بين الكاثوليك والبروتستانت الفرنسيين، المعروفين بالهوجونوت، في وقت كانت فيه فرنسا تعيش حالة من التوتر السياسي والديني الشديد.

كيف بدأت المذبحة؟

كانت فرنسا تعاني في ذلك الوقت سلسلة من الحروب الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت، وازدادت المخاوف داخل البلاط الملكي من تنامي نفوذ الهوجونوت، خصوصًا مع وجود عدد من كبار النبلاء البروتستانت المؤثرين سياسيًا وعسكريًا.

وفي أغسطس 1572، شهدت باريس زفاف هنري نافار، البروتستانتي، على مارغريت دي فالوا، ابنة الملك هنري الثاني وكاترين دي ميديشى، في محاولة لتخفيف حدة الصراع وإتمام المصالحة بين الطرفين.

لكن الأجواء ظلت شديدة الاحتقان، وبعد أيام قليلة تعرض الزعيم البروتستانتي الأمير غاسبار دو كوليني لمحاولة اغتيال، ما أدى إلى تصاعد التوتر داخل باريس، وفتح الباب أمام سلسلة الأحداث الدامية التي عرفت لاحقًا باسم مذبحة سان بارتيليمي.

أجراس الكنائس وإشارة بدء القتل

في فجر 24 أغسطس، بدأت أعمال القتل في باريس، وتذكر الروايات التاريخية أن أجراس الكنائس دقت، لتصبح بداية موجة من العنف استهدفت البروتستانت، وتعرض عدد كبير من الهوجونوت للقتل داخل منازلهم وفي الشوارع، ولم تقتصر الاعتداءات على الشخصيات السياسية أو الدينية، وإنما امتدت إلى رجال ونساء وأطفال من البروتستانت، كما تعرض بعض الكاثوليك الذين حاولوا حماية جيرانهم البروتستانت للاعتداء.

وبحلول الأيام التالية، اتسعت أعمال العنف داخل باريس، ثم انتقلت إلى عدد من المدن الفرنسية الأخرى، ولم تتوقف المذبحة عند العاصمة، إذ امتدت موجات العنف إلى مدن أخرى مثل بوردو وتولوز وروان وغيرها. وتختلف التقديرات التاريخية بشأن عدد الضحايا بصورة كبيرة، إذ تتراوح التقديرات الحديثة عادة بين آلاف عدة وعشرات الآلاف، بينما ظهرت عبر القرون أرقام أعلى بكثير لا يتفق عليها المؤرخون.

وتشير الروايات إلى أن باريس وحدها شهدت آلاف القتلى خلال الأيام الأولى، فيما ارتفع العدد الإجمالي مع امتداد أعمال القتل إلى خارج العاصمة.

تظل مسؤولية السلطة الملكية عن المذبحة من أكثر القضايا التي أثارت الجدل بين المؤرخين.

كان الملك شارل التاسع على رأس الدولة، وكانت والدته كاترين دي ميديشى واحدة من أهم الشخصيات السياسية في البلاط. وتؤكد المصادر التاريخية أن القرار الذي اتُخذ في الساعات التي سبقت المذبحة استهدف في البداية عددًا من قادة البروتستانت، لكن أعمال العنف خرجت سريعًا عن نطاق عملية قتل محدودة، وتحولت إلى مذبحة جماعية واسعة.

ولهذا يميز المؤرخون بين قرار استهداف عدد من القادة البروتستانت وبين الموجة الشعبية والمحلية من العنف التي انفجرت بعد ذلك، والتي لم تعد خاضعة لسيطرة مركزية واحدة.

موقف البابا جريجوري الثالث عشر

أثارت المذبحة صدى واسعًا في العالم الكاثوليكي، وصدرت في روما مظاهر احتفال بالخبر، كما يُذكر أن البابا جريجوري الثالث عشر أقام احتفالات دينية عند وصول نبأ مقتل قادة البروتستانت في باريس، اعتقادًا منه في البداية أن الأحداث تمثل انتصارًا كبيرًا للكاثوليك.

لكن من المهم تجنب اختزال ما حدث في القول إن البابا «أمر» بالمذبحة؛ فلا توجد في المادة المقدمة واقعة تثبت أنه أصدر أمرًا بتنفيذها، وإنما ارتبط اسمه بموقف كاثوليكي مرحب بالخبر بعد وقوع المذبحة.

أصبحت سان بارتيليمي بعد ذلك رمزًا لوحشية الحروب الدينية الأوروبية، وأظهرت إلى أي مدى يمكن للصراع المذهبي، حين يتداخل مع الصراع على السلطة والنفوذ السياسي، أن يتحول إلى عنف جماعي واسع.

ولم تنتهِ الحروب الدينية في فرنسا بمذبحة سان بارتيليمي، بل استمرت لسنوات أخرى، قبل أن تتجه البلاد تدريجيًا إلى تسويات سياسية ودينية أكثر استقرارًا.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق