من العقاد إلى حجازى.. معارك الشعر بين «العمود» و«التفعيلة» و«قصيدة النثر»

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عادت واحدة من أقدم معارك الشعر العربي إلى الواجهة من جديد، بعدما انتقل الخلاف حول الأشكال الشعرية من صفحات الكتب والصحف إلى مواقع التواصل الاجتماعي، ليتجدد السؤال القديم: أين ينتهي الشعر وأين يبدأ التجريب؟ وهل التجديد يوسع حدود القصيدة أم يخرج بها من مفهومها التقليدي؟

والمفارقة أن هذا الجدل ليس جديدًا، بل تعود جذوره إلى عقود مضت، حين خاض كبار الشعراء والنقاد معارك حادة حول الشعر العمودي والشعر الحر، ثم انتقلت المعركة لاحقًا إلى قصيدة النثر، لتتكرر الأسئلة نفسها تقريبًا، وإن تغيرت الأسماء والأجيال.

العقاد في مواجهة الشعر الحر

من أشهر صور هذه المعركة ما دار بين عباس محمود العقاد وعدد من شعراء الشعر الحر، وفي مقدمتهم صلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطي حجازي وفتحي سعيد.

ففي الوقت الذي كان فيه العقاد مقررًا للجنة الشعر بالمجلس الأعلى للفنون والآداب، كان موقفه من الشعر الحر شديد الرفض، بحسب الرواية المتداولة، إلى درجة أنه كان لا يقبل مناقشة القصائد التي تنتمي إلى هذا الاتجاه داخل لجنة الشعر.

وتذهب الرواية إلى أن العقاد كان يحيل هذه النصوص إلى لجنة النثر، برئاسة الدكتور مهدي علام، قبل أن تعود القصائد مرة أخرى إلى لجنة الشعر، في صورة تعكس حجم الخلاف حول تصنيف هذا الشكل الجديد.

ولم يتوقف اعتراض العقاد عند حدود المؤسسات الثقافية، إذ كان يبدي غضبه من مشاركة شعراء الشعر الحديث في مهرجانات عربية، ووصل الأمر إلى تهديده بالاستقالة احتجاجًا على مشاركة بعضهم في مهرجان للشعر في دمشق.

«هل قرأت الشعر الحديث؟».. شرارة مواجهة

وتنقل الرواية عن أحد الحوارات الصحفية سؤالًا وُجه إلى العقاد حول ما إذا كان قد قرأ الشعر الحديث، فجاء رده غاضبًا منتقدًا تجربة صلاح عبدالصبور، ومشككًا في قدرته اللغوية.

وكان ذلك في الوقت الذي كان فيه عبدالصبور قد بدأ يثبت حضوره بوصفه واحدًا من الأسماء الجديدة في الشعر العربي، بعد صدور ديوانيه «الناس في بلادي» و«أقول لكم».

لكن اللافت أن عبدالصبور لم يرد على العقاد بالطريقة نفسها، بل اختار أن يناقش تجربته في إطار نقدي، فكتب عنه أنه شاعر بلا شك، مستندًا إلى قدرته على الوزن وحفظ الشعر والتمييز بين الجيد والرديء، لكنه طرح في الوقت ذاته سؤالًا عن اللحظة التي يصبح فيها العقاد «شاعرًا أصيلًا».

وهكذا لم تعد القضية مجرد خلاف شخصي بين شاعرين، وإنما تحولت إلى مواجهة بين تصورين للقصيدة: تصور يرى في الوزن والإيقاع أساسًا لا يمكن التخلي عنه، وآخر يسعى إلى البحث عن مساحات جديدة داخل الشعر.

من العقاد إلى حجازي.. التاريخ يعيد نفسه

لكن هذه المعركة لم تنته برحيل العقاد، بل انتقلت بعد سنوات إلى مرحلة أخرى، وكان أحمد عبدالمعطي حجازي هذه المرة أحد أطرافها.

فبعد أن أصبح حجازي مقررًا للجنة الشعر، وجد نفسه في مواجهة شعراء قصيدة النثر، وهو الاتجاه الذي كان قد ترسخ تدريجيًا في المشهد العربي والمصري.

واللافت هنا أن حجازي، الذي كان يومًا واحدًا من أبرز وجوه الشعر الجديد في مواجهة المحافظين، أصبح بدوره في موقع المدافع عن الحدود التقليدية للشعر، وهو ما جعل المفارقة التاريخية واضحة: الشاعر الذي كان في صف التجديد بالأمس، أصبح جزءًا من المعركة ضد شكل جديد من التجديد اليوم.

وحاول حجازي نفسه التمييز بين موقفه وموقف العقاد، موضحًا أن الصراع بين الجديد والمحافظ يتكرر في كل عصر، لكنه رأى أن العقاد استخدم سلطة الدولة في مواجهة الشعراء الجدد، بينما لم يعتبر نفسه مستخدمًا لسلطة الدولة لفرض رؤيته.

حجازي وقصيدة النثر

بلغ الخلاف ذروته في موقف حجازي من قصيدة النثر، الذي عبر عنه في كتابه «القصيدة الخرساء».

وفي هذا الطرح، رأى حجازي أن قصيدة النثر لا تنتمي إلى الشعر بالمعنى التقليدي، بسبب افتقادها إلى الوزن والقواعد العروضية والموسيقى والإيقاع، وهو ما جعله في مواجهة مباشرة مع أصحاب هذا الاتجاه.

ومن الجهة الأخرى، رأى شعراء قصيدة النثر أن رفض هذا الشكل باعتباره خارج الشعر يمثل موقفًا محافظًا لا يتناسب مع تطور التجربة الشعرية العربية، وأن التجريب لا يمكن أن يظل محكومًا بقواعد الأشكال السابقة.

ومن هنا اتسعت المواجهة من سؤال: هل قصيدة النثر شعر؟ إلى سؤال أكثر تعقيدًا: من يملك حق تعريف الشعر أصلًا؟

الصراع على الشعر أم الصراع على السلطة الثقافية؟

ربما كان الجانب الأكثر أهمية في هذه المعارك أنها لم تظل داخل حدود النصوص الشعرية، بل ارتبطت في مراحل مختلفة بالمؤسسات الثقافية واللجان والجوائز والمهرجانات، فحين يصبح شاعر ما مسؤولًا عن لجنة أو مؤسسة لها تأثير في المشهد الثقافي، يصبح موقفه من الأشكال الشعرية موضعًا للنقاش؛ لأن رفض شكل أو الاعتراف به لم يعد مجرد رأي نقدي فردي، وإنما قد يُنظر إليه باعتباره موقفًا مؤثرًا في فرص الحضور والاعتراف.

وهنا تتجدد المعركة في كل جيل، لكن بأسماء مختلفة: من العقاد والشعر الحر، إلى حجازي وقصيدة النثر.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق