ابن سينا بين العلم والنساء.. هل كان «الشيخ الرئيس» عاشقًا إلى حد المرض؟

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

تمر اليوم ذكرى ميلاد الفيلسوف والطبيب والعالم الشهير ابن سينا، الذي ولد في 22 عام 980م، وعُرف في التراث العربي بلقب «الشيخ الرئيس»، بينما أطلق عليه بعض الغربيين لقب «أمير الأطباء».

ورغم أن اسم ابن سينا ارتبط في المقام الأول بالطب والفلسفة والعلوم، فإن جانبًا آخر من سيرته ظل مثارًا للجدل، يتعلق بحياته الخاصة وعلاقته بالنساء وملذات الحياة، وهي روايات جعلت بعض الكتاب والباحثين يذهبون إلى أن الشيخ الرئيس كان شديد الميل إلى النساء، وأن الإفراط في الحياة الجنسية والشراب والإجهاد ربما كان من العوامل التي أرهقت جسده في سنواته الأخيرة.

لكن هذه الصورة تحتاج إلى قدر من الحذر؛ فالكثير مما يروى عن حياة ابن سينا الخاصة يأتي من كتب ودراسات لاحقة، وبعضها يقدم قراءة أدبية أو تفسيرية لشخصيته، وليس سيرة موثقة بالدرجة نفسها التي نملكها عن إنتاجه العلمي.

العقاد: جسد أرهقته الحياة

في كتاب «ابن سينا»، تناول المفكر والأديب عباس محمود العقاد حياة الشيخ الرئيس من زاوية تجمع بين العالم والإنسان، مشيرًا إلى أن ابن سينا عانى من تتابع المحن ومواجهة الأخطار ومنازعة الحساد والإجهاد الشديد.

ويربط العقاد بين هذا الإجهاد وبين ميل ابن سينا إلى البحث عن التفريج عن النفس بالمتعة والشراب، معتبرًا أن هذا النمط من الحياة أضاف أعباءً على جسد كان يتعرض أصلًا لضغوط كثيرة، حتى انتهى به الأمر إلى المرض الذي لم يستطع مقاومته.

وهذه القراءة تضع جانبًا من حياة ابن سينا في إطار التناقض بين العقل الذي ينشغل بالعلم والجسد الذي يطلب الراحة والمتعة.

الباحثون يروون حكاية أخرى عن النساء

وفي كتاب «الفلاسفة والنساء»، يقدم الباحث المغربي عزيز الحداوي قراءة أكثر جرأة لحياة ابن سينا وعلاقته بالنساء، مستندًا إلى ما ورد في سيرته وما نُقل عن حياته اليومية.

ويرى الحداوي أن ابن سينا كان شديد الإقبال على ملذات الحياة، وأن المرأة والعلاقة الجسدية كانتا جزءًا واضحًا من هذا الجانب، إلى درجة أن الشغف بالجنس يظهر في بعض القراءات بوصفه عنصرًا ملازمًا لحياته، إلى جانب انشغاله بالعلم والكتابة.

وتذهب هذه القراءة إلى أن الشيخ الرئيس كان يعيش حالة من التوتر بين الجسد والعقل؛ فكلما استعاد عافيته عاد إلى نمط حياته المعتاد، ثم عاد المرض والإجهاد من جديد، بما يجعل العلاقة بين الصحة والمتعة والمرض دائرة متكررة في سيرته كما يقدمها هؤلاء الباحثون.

هل كان الجنس سببًا في وفاته؟

هنا تظهر أكثر الروايات إثارة للجدل. فبعض الكتاب، ومنهم صاحب مقال «شبقية المحرم في الإيروتيكا العربية»، يذهب إلى أن ابن سينا كان شديد الشغف بالجماع، وأن هذا الشغف أسهم في إنهاك جسده.

كما يورد الباحث عزيز الحداوي في دراسة «الجماع فاكهة سوق الجنة» صورة شديدة الخصوصية عن العلاقة بين الصحة والجنس والمرض في حياة ابن سينا، معتبرًا أن العالم كان يعود إلى حياته الجنسية بمجرد تماثله للشفاء، ثم يعاوده المرض والإرهاق.

ويقدم هذا التصور ابن سينا باعتباره رجلًا شديد التعلق بملذات الحياة، رغم انشغاله بالتأليف والقراءة والبحث، وهو ما يخلق صورة مختلفة عن الصورة المألوفة للشيخ الرئيس بوصفه عالمًا غارقًا في الكتب وحدها.

لكن القول بأن الجنس كان السبب الحقيقي المباشر في وفاة ابن سينا يظل تفسيرًا واردًا في بعض الكتابات، وليس حقيقة تاريخية محسومة. فالمواد المقدمة هنا لا تقدم دليلًا طبيًا أو وثيقة تاريخية قاطعة تثبت أن هذا العامل تحديدًا كان سبب وفاته.

بين الصلاة والخمر والنساء

ومن أكثر الجوانب التي تثير الانتباه في هذه القراءات أنها لا تقدم ابن سينا كشخصية تسير في خط واحد.فبحسب هذه الكتابات، كان الرجل الذي يتقرب إلى الله بالصلاة، ويعتق العبيد، ويعالج الفقراء والمساكين، هو نفسه الذي كان يقبل على الشراب والنساء وملذات الجسد.

وهذه التناقضات هي التي تجعل دراسة شخصيته أكثر تعقيدًا؛ إذ لا يظهر ابن سينا في هذه الروايات باعتباره فيلسوفًا منفصلًا عن جسده وحياته الخاصة، وإنما إنسانًا يعيش بتوتر واضح بين التدين والعلم من جهة، والرغبات والملذات من جهة أخرى.

الشراب في ليالي الكتابة

ومن اللافت أن جانبًا من هذه الصورة لا يظهر فقط في الحديث عن النساء، وإنما أيضًا في طريقة عمله. ففي روايته عن حياته، ينقل ابن سينا أنه كان يعود ليلًا إلى داره، ويضع السراج أمامه، ثم ينشغل بالقراءة والكتابة. وإذا غلبه النوم أو شعر بالضعف، كان يلجأ إلى شرب قدح من الشراب ليستعيد قوته ويعود إلى القراءة.

ويقول في وصف هذه الفترة من حياته: «فمهما غلبني النوم أو شعرت بضعف عدلت إلى شرب قدح من الشراب لكيما تعود إلى قوتي، ثم أرجع إلى القراءة».

وتكشف هذه الرواية عن طبيعة الحياة العلمية القاسية التي عاشها، حيث لم يكن النوم دائمًا أولوية، وكان يلجأ إلى وسائل مختلفة لمواصلة القراءة والتأليف.

ويضيف ابن سينا أنه كان يرى في نومه المسائل التي كان يفكر فيها، وأن كثيرًا من القضايا العلمية كانت تتضح له أثناء النوم، حتى أصبح النوم نفسه جزءًا من عملية التفكير والإنتاج المعرفي.

عالم يكتب تحت الضغط

ولا ينبغي فصل الحديث عن حياة ابن سينا الخاصة عن حياته السياسية والعلمية. فقد عاش في عصر مضطرب، وكثرة تنقله بين المدن لم تكن نتيجة حب الرحلات وحده، وإنما جاءت أيضًا بسبب الصراعات السياسية التي أحاطت به.

ومع ذلك، استطاع أن يكتب في مجالات متعددة، وأن يؤسس مشروعًا معرفيًا واسعًا، وهو ما يجعل الحديث عن حياته الخاصة مجرد جانب واحد من شخصية استثنائية جمعت بين الطبيب والفيلسوف والكاتب ورجل السياسة في بعض مراحل حياته.

صورة «العاشق».. بين التاريخ والأدب

وبمرور الوقت، تحولت حياة ابن سينا نفسها إلى مادة للأدب والبحث، فظهرت صورة «العاشق» إلى جانب صورة «الفيلسوف»، وأصبح بعض الكتاب يركزون على علاقته بالنساء كما يركز آخرون على علاقته بالعلم.

لكن المشكلة أن هذه الصورة ليست دائمًا منفصلة عن الطريقة التي اختار بها كل كاتب قراءة الشخصية؛ فبعضهم ينطلق من معلومات محدودة ليبني عليها تفسيرًا واسعًا، وبعضهم يتعامل مع الحكايات باعتبارها جزءًا من سردية تاريخية متكاملة.

لذلك، فإن السؤال: «هل كان ابن سينا شبق الجنس؟» لا يمكن الإجابة عنه بوصفه حقيقة علمية أو تاريخية محسومة اعتمادًا على هذه الروايات وحدها.

الأدق أن نقول إن هناك مصادر وكتابات تصف ابن سينا بأنه كان محبًا للنساء وملذات الحياة، وتربط بين ذلك وبين إنهاك جسده ومرضه، بينما لا يوجد في المادة المتاحة ما يكفي لإثبات أن الإفراط الجنسي كان السبب المباشر في وفاته.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق