خالد دومة يكتب: قراءة القصة

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

إن القصة التي تنقل إلينا محصولًا وافرًا من الشعور والخيال والمتعة الفنية هي رصيد زاخر للفؤاد. فهي تنتقل بالقارئ إلى عوالم من الحس والتجربة، وتزيد من رصيد حياته حين يتعايش مع أحداثها، وترتبط نفسه بشخصياتها، ويطّلع من خلالها على نماذج إنسانية وتجارب جديدة.


إن قدرة الكاتب على تصوير البطل، أو أي نموذج إنساني، تصويرًا صادقًا بعيدًا عن التهويل والمبالغة، تجعل من القصة حياةً حقيقية تمس عاطفة الإنسان وشعوره، وتزيد من قدرته على فهم الطبائع البشرية وكشف أغوارها. فالصور الظاهرة للناس قد تتشابه، لكن الكاتب الموهوب ينقل إلينا ما يدور في بواطن النفوس من أفكار ولواعج، ويكشف ما هو مستتر في طواياها، فتتجلى أمامنا معالم الشخصية الإنسانية والدوافع الكامنة وراء أفعالها.


وملامح النفوس الخفية لا تتشابه كما تتشابه الوجوه. فقد يجهل الإنسان نفسه أحيانًا، وتصدر منه أفعال يظنها عادية، بينما تقف وراءها أسباب ودوافع دفينة يعجز عن الوصول إلى جذورها. وحين نقرأ قصة جيدة فإننا ننتظر من الكاتب أن يكشف تلك الجذور، وأن ينفذ إلى الأعماق. فإذا وصف الشخصية وصفًا خارجيًا، فإنما يفعل ذلك ليقودنا إلى ما هو أبعد من المظهر، فلكل ظاهر دلالة على باطن خفي.


إن القصة التي نتعايش مع أحداثها، ونشعر أن واقعها يلامسنا، وأن شخصياتها تمر أمام أعيننا من لحم ودم، تجعل من القراءة زادًا نفسيًا وفكريًا، لا مجرد وسيلة لتمضية الوقت. فنحن لا نريد قصة تنفصل عن الإنسان، ولا شخصيات لا تمت إلى الواقع بصلة، بل نريد شعورًا عامًا يصيبنا عند قراءة الأحداث، ويجعلنا نرى أنفسنا أو من حولنا فيها.


وقد توجد قصص تقوم على الخيال الجامح، ولها جمهورها الذي ينتظرها ويتابعها بشغف، لكنها لا تمنح القارئ دائمًا ذلك الزاد والخبرة اللذين يبحث عنهما في القراءة. فالقصة الحقيقية لا تقدم موعظة مباشرة، ولا تلقّن القارئ خطبة طويلة، وإنما تجعل المعرفة جزءًا من المتعة، وتجعل المتعة طريقًا إلى المعرفة. وهذان أمران تطلبهما النفس الإنسانية معًا.


ولهذا ظلت الرواية والقصة من أقوى الوسائل التي تعكس الواقع الإنساني بما فيه من آمال وخيبات وآلام وأحلام. فهي تقدم التجربة البشرية في صورة فنية محببة، فيقبل عليها القارئ بشوق، ويتلقى منها ما يريد من فهم وخبرة دون أن يشعر بثقل التعليم أو الوعظ.

أخبار ذات صلة

0 تعليق