فى أى حى من أحياء مدينة فيلادلفيا، يلفت الانتباه مشهد غير مألوف يتمثل فى الجدران التى تنبض بالحياة عبر جداريات شاهقة ومناظر فنية واسعة وقصص مجتمعية تمتد على واجهات المبانى من كنسينغتون إلى جنوب فيلادلفيا، وقد أسهم ذلك فى تحويل المدينة إلى واحدة من أكبر معارض الفنون المفتوحة فى العالم.
ويقف وراء هذا المشهد الفنى الواسع برنامج مورال آرتس فيلادلفيا، أكبر برنامج للفنون العامة فى الولايات المتحدة، والذى تطور من مبادرة لمكافحة الكتابة على الجدران أطلقت عام 1984 إلى نموذج عالمى معترف به فى مجال الفنون المجتمعية، بحسب my modern met.
بدأ هذا التحول مع جين جولدن، التى انتقلت إلى فيلادلفيا بعد دراستها فى جامعة ستانفورد ومشاركتها فى رسم الجداريات بمدينة لوس أنجلوس، لتعمل مع شبكة فيلادلفيا لمكافحة الكتابة على الجدران التى تأسست خلال ولاية رئيس البلدية ويلسون جود، وبينما كان كثيرون يعتبرون الكتابة على الجدران شكلا من أشكال التخريب، كانت جولدن تنظر إليها من زاوية مختلفة.

الطاقة بالدواسة
وقالت جولدن لموقع "ماى مودرن ميت": "لقد عملت مع رسامى الجرافيتى لمدة 10 سنوات تقريبا، وعندما أغلقت شبكة مكافحة الجرافيتى، ذهبت إلى رئيس البلدية آنذاك إد ريندل وسألته عما إذا كان سيؤسس برنامجا للفنون العامة قائما على المجتمع، وقد وافق على ذلك".
وأدت تلك الخطوة إلى تأسيس مؤسسة Mural Arts Philadelphia أو "فنون الجداريات في فيلادلفيا" عام 1997، وما بدأ كمبادرة صغيرة تحول إلى منظمة تبلغ ميزانيتها السنوية نحو 16 مليون دولار، ويعمل بها 60 موظفا بدوام كامل و140 موظفا بدوام جزئى، مع تنفيذ ما يقارب 140 عملا فنيا عاما جديدا فى أنحاء المدينة كل عام.

الظلام سبيل والنور مكان
الفن فى خدمة المجتمع
وأكدت جولدن أن برنامج فنون الجداريات يؤمن بأن لكل شخص الحق فى الوصول إلى الفن العام، كما يؤمن بحق الشباب فى الحصول على تعليم فنى، وأضافت أن البرنامج يجمع بين الجمال والذوق الرفيع من جهة، والواقعية والتعامل مع القضايا المجتمعية من جهة أخرى، لذلك فإنه يولى اهتماما كبيرا بالقضايا المطروحة أمام رئيس البلدية ومجلس المدينة.
واليوم تنتشر أعمال الجداريات فى مختلف أحياء فيلادلفيا، وأصبحت هذه الأعمال الخارجية، التى تنفذ عبر شراكات بين الفنانين وأفراد المجتمع، جزءا أساسيا من هوية المدينة إلى درجة أن فيلادلفيا باتت تعرف عالميا باسم "مدينة الجداريات".

جداريات فيلادلفيا
وقالت جولدن: "أعتقد حقا أننا حولنا فيلادلفيا إلى متحف فى الهواء الطلق، لكنه متحف يرتبط بشكل عميق بالمواطنين الذين يعيشون هنا".
ولا يقتصر نشاط المؤسسة على الفنون العامة فقط، بل يمتد إلى برامج تتناول العدالة التصالحية والصحة السلوكية وتنمية القوى العاملة والعدالة البيئية وتعليم الشباب، ومن خلال هذه البرامج تستخدم المؤسسة الفن الإبداعى التعاونى لجمع الناس حول القضايا التى تؤثر على مجتمعاتهم.
وأضافت جولدن: "أحيانا نتناول موضوعات صعبة ومعقدة تتعلق بالعدالة التصالحية أو الصحة النفسية أو التعليم أو العدالة البيئية، وخلال عملية الإبداع يجتمع الناس ويتحاورون ويتعلمون من بعضهم البعض، وهناك نوع من التبادلية، وتصبح الجدارية وسيلة للتوعية والدعوة".

جدارية عملاقة
نموذج عالمى للفنون العامة
ومن بين المشاريع التى لا تزال حاضرة فى ذاكرة جولدن مشروع "جدران الشفاء"، الذى جمع ضحايا الجريمة والمدافعين عنهم مع رجال مسجونين فى أحد سجون ولاية بنسلفانيا لاستكشاف سبل تحقيق الشفاء وتعزيز الشعور بالأمان داخل المجتمعات.
وتتذكر جولدن أن المشاركين فى البداية لم يكونوا متأكدين من رغبتهم فى الانخراط بالمشروع، وكان كل طرف يشعر بأن معاناته أكبر من معاناة الآخرين، وقد أقيمت ورش العمل داخل السجن وفى أحياء مختلفة من فيلادلفيا، لكن نقطة التحول جاءت عندما بدأ المشاركون بالرسم معا.
وقالت: "هذه المجموعات التى لم تكن متفقة تماما أصبحت تهتم ببعضها البعض بدرجة كبيرة، ثم واصلت القيام بأعمال مختلفة ذات معنى داخل المدينة".

جدارية فى قلب الحي
ويعكس هذا المشروع فلسفة أوسع تتبناها مؤسسة مورال آرتس، حيث لا تقتصر أهمية العمل على النتيجة الفنية النهائية، بل تشمل أيضا العملية الإبداعية نفسها وما تتيحه من فرص للتواصل والتفاهم والنمو الشخصى، وأضافت جولدن: "مع تغير الناس فإنهم يغيرون المدينة أيضا، وهذا أمر رائع".
وخلال العقود الثلاثة الماضية، ساعدت هذه الفلسفة فى تحويل فيلادلفيا إلى نموذج عالمى للفنون العامة، وأصبحت مدن من مختلف أنحاء العالم تتواصل مع مؤسسة مورال آرتس للحصول على المشورة بشأن إنشاء برامج مشابهة تركز على المجتمع، وقالت جولدن: "عندما بدأنا هذا العمل لم نتخيل أنه سيصبح نموذجا دوليا، واليوم يلجأ إلينا الناس طلبا للمشورة، وهذا أمر مثير".
ويمكن للزوار التعرف على هذا الإرث الفنى من خلال جولات المشى والترام التى تنظمها المؤسسة، والتى تستخدم الجداريات كوسيلة لاستكشاف أحياء فيلادلفيا وتاريخها وثقافتها.

خيوط الفرح
وأضافت جولدن: "يمكنك التجول فى كل حى تقريبا ومشاهدة أعمال فنية، هذه الجداريات ليست مجرد زينة، بل تحمل قيمة خاصة لأنها تعكس حياة الناس الذين يعيشون هنا".
وترى جولدن أن هذا يبقى الإنجاز الأبرز للمؤسسة، خاصة فى وقت يشهد كثيرا من الانقسامات، وتؤكد أن الفن العام لا يزال يمتلك القدرة على جمع الناس وتوحيدهم.

عائلة متقطعة
وقالت: "فى وقت يبدو فيه العالم ممزقا والأمور معقدة للغاية، نحن بحاجة إلى الفن الآن أكثر من أى وقت مضى، نحن حريصون على ضمان وصوله إلى الناس وألا يقتصر وجوده على جدران المعارض والمتاحف فقط".
وتشكل آلاف الجداريات المنتشرة فى فيلادلفيا صورة جماعية للمدينة بأكملها، وتقول جولدن: "فى تنوعها الجماعى، تتحدث هذه الأعمال عن هوية مدينتنا وتطلعاتها وآمالها ونضالاتها وانتصاراتها"، وتختتم الرسالة بدعوة بسيطة لكل من يزور فيلادلفيا: انظر إلى الأعلى، فالجدران لديها ما تقوله.

مستشفى سانت كريستوفر














0 تعليق