في الرابع عشر من يونيو عام 1800، شهدت القاهرة واحدة من أكثر لحظات الحملة الفرنسية درامية، حين قتل الجنرال جان باتيست كليبر، قائد الحملة الفرنسية في مصر بعد رحيل نابليون بونابرت، على يد الشاب الحلبي سليمان بن محمد أمين، الذي عرف في الذاكرة التاريخية باسم سليمان الحلبي.
والجنرال كليبر كان قائدًا فرنسيًا بارزًا في حروب الثورة الفرنسية، وشارك في حملة نابليون على مصر بين عامي 1798 و1800، ثم تولى قيادة القوات الفرنسية في مصر بعد مغادرة نابليون إلى فرنسا، وبالتالي فإن الطعنة أصابت رأس القيادة الفرنسية في القاهرة، وجاءت في لحظة كانت الحملة تبحث فيها عن تثبيت وجودها وسط مقاومة شعبية وضغط عثماني وبريطاني متصاعد.
كليبر بعد نابليون.. قيادة مثقلة بالأزمة
وصلت الحملة الفرنسية إلى مصر عام 1798 حاملة مشروعًا مزدوجًا، جيشًا ومدافع من جهة، وعلماء ومطبعة ومجمعًا علميًا من جهة أخرى، وقدمت نفسها في منشوراتها بوصفها قوة قادرة على تنظيم الإدارة والمعرفة، بينما عاش المجتمع المصري التجربة بوصفها احتلالًا عسكريًا دخل إلى الأسواق والحارات والأزهر والضرائب والحياة اليومية.
وبعد رحيل نابليون، وجد كليبر نفسه أمام واقع شديد التعقيد، وانتهى وجود كليبر في مصر باغتياله على يد سليمان الحلبي ثم خلفه عبد الله جاك مينو في قيادة الحملة، تكشف هذه السلسلة السريعة من انتقال القيادة مقدار الارتباك الذي عاشته القوات الفرنسية في مصر خلال أشهرها الأخيرة.
من هنا تبدأ القصة الكبرى، اغتيال كليبر يتجاوز حادثة قتل قائد عسكري، فهو علامة على توتر كامل بين سلطة أجنبية حاولت إعادة تشكيل المدينة، ومجتمع قاوم الوجود الفرنسي بأشكال متعددة، من الثورات الشعبية إلى الفعل الفردي العنيف.
سليمان الحلبي.. طالب من حلب في قلب القاهرة
تقدم المصادر العربية سليمان الحلبي بوصفه شابًا جاء من حلب إلى القاهرة وارتبط بالأزهر وبيئته العلمية، وحسبما يورد خير الدين الزركلي في كتابه "الأعلام"، فإن اسمه سليمان بن محمد أمين الحلبي، ونشأ في حلب، ثم قصد القاهرة للدراسة، وتمنح هذه الخلفية الحكاية أفقًا أوسع من الحدود المحلية، فقاهرة الأزهر في ذلك الزمن كانت مركزًا يستقبل طلابًا من أنحاء العالم الإسلامي، وكانت الحملة الفرنسية قد دخلت إلى فضاء شديد الاتساع دينيًا واجتماعيًا وسياسيًا.
وتذكر محاضر المحاكمة الفرنسية المنشورة بعنوان “Recueil des pièces relatives à la procédure et au jugement de Soleyman El-Hhaleby, assassin du général en chef Kléber” أن السلطة الفرنسية تعاملت مع الواقعة عبر ملف قضائي كامل جمع التحقيقات والحكم والإجراءات، ويكشف عنوان الملف نفسه طبيعة الرواية الفرنسية، فسليمان يظهر فيه بصفته قاتل قائد الجيش، بينما ستعيد الذاكرة العربية لاحقًا بناء صورته بوصفه أحد رموز مقاومة الحملة الفرنسية.
هنا تتضح أهمية المصدر داخل القراءة، فمحاضر المحاكمة الفرنسية تقدم خطاب السلطة المنتصبة في موقع الحكم، وكتب التاريخ العربية تقدم خطاب المدينة التي عاشت الاحتلال، والدراسات الحديثة تحاول قراءة المسافة بين الروايتين.
الجبرتي ومحاكمة غريبة على المصريين
يحضر عبد الرحمن الجبرتي بوصفه أحد أهم شهود زمن الحملة الفرنسية، وفي كتابه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار" سجل الجبرتي أخبار الحملة وأثرها في القاهرة، كما نقلت دراسات حديثة نصوصًا تتعلق بمحاكمة سليمان الحلبي ومرافعاتها وإجراءاتها.
وتذهب دراسة "محاكمة جديدة لسليمان الحلبي"، المنشورة على بنك المعرفة المصري، إلى أن الجبرتي أثبت نص محاكمة سليمان الحلبي في "عجائب الآثار"، بينما تعامل مع الحادث في كتاباته الأخرى بصيغة مختلفة، وتكشف هذه الإشارة أن المحاكمة نفسها صارت نصًا داخل نص التاريخ، وأن الجبرتي رأى فيها واقعة تستحق التسجيل بما حملته من غرابة على البيئة القضائية والاجتماعية المصرية في ذلك الوقت.
وتبدو غرابة المحاكمة في جانبين، الأول أن الفرنسيين أرادوا تحويلها إلى رسالة ردع بعد اغتيال قائدهم، والثاني أن المصريين تلقوا إجراءاتها وعقوباتها بوصفها مشهدًا شديد القسوة، وفي هذا الموضع يصبح القضاء جزءًا من خطاب الاحتلال، وتصبح العقوبة أداة لإعادة الهيبة إلى سلطة تلقت ضربة موجعة في قلب القاهرة.
العقاب بوصفه رسالة سياسية
تشير محاضر المحاكمة الفرنسية إلى مسار سريع للإجراءات، من القبض على سليمان الحلبي والتحقيق معه، إلى الحكم عليه بعقوبة شديدة القسوة، مع معاقبة آخرين اتهموا بالصلة بالقضية، وقد ارتبطت الواقعة في الذاكرة التاريخية بعقوبة الخازوق وحرق اليد، وهي تفاصيل تناقلتها المصادر والكتابات التي تناولت الحادثة.
هذه القسوة تحمل معنى سياسيًا واضحًا، فالاحتلال الفرنسي أراد أن يقول للقاهرة إن اغتيال قائد الحملة لن يمر من دون مشهد عقابي كبير، وبذلك تحولت المحاكمة إلى عرض قوة، وتحولت ساحة العقاب إلى مسرح سياسي، وتحول جسد سليمان الحلبي إلى وسيلة لترميم صورة السلطة الفرنسية أمام المدينة.
وحسبما تورد مقالات تاريخية اعتمدت على الجبرتي ومحاضر المحاكمة، فقد نقل الفرنسيون بعد خروجهم من مصر رفات سليمان الحلبي ورأسه، وارتبطت جمجمته لاحقًا بمتحف الإنسان في باريس.
وتكشف هذه التفصيلة امتداد العقاب إلى ما بعد الموت، حيث ينتقل الجسد من ساحة الإعدام في القاهرة إلى فضاء المتحف الأوروبي، ويصبح جزءًا من خطاب استعماري يصنف المقاوم في خانة "المجرم" أو "المتعصب".
القاهرة تحت الحملة.. مدينة تبحث عن وسائل المقاومة
كي نفهم حادث اغتيال كليبر، ينبغي وضعه داخل القاهرة الواقعة تحت الحملة، فقد دخل الفرنسيون المدينة بمشروع إداري وعسكري ومعرفي، وأنشأوا دواوين ومطبعة ومجمعًا علميًا، وفرضوا ضرائب، وتعاملوا مع الأزهر والعلماء والتجار والحرفيين بوصفهم مفاتيح للسيطرة على المجتمع.
وفي هذا المناخ، تعددت صور المقاومة، شهدت القاهرة ثورات شعبية ضد الفرنسيين، وظهرت خطابات دينية وسياسية رافضة، وتحركت قوى عثمانية وبريطانية في الخلفية الإقليمية، لذلك جاء فعل سليمان الحلبي من قلب مناخ مشحون وصراع دولي حول مصر.
من الجريمة في أرشيف الاحتلال إلى الرمز في الذاكرة العربية
تتعدد صورة سليمان الحلبي بحسب موقع الراوي، ففي محاضر المحاكمة الفرنسية يظهر بوصفه قاتلًا لقائد الجيش، وفي الذاكرة العربية الحديثة يظهر بوصفه رمزًا من رموز مقاومة الاحتلال، وفي كتابات الجبرتي يحضر داخل مشهد القاهرة المأزومة، حيث تلتقي الواقعة الفردية باضطراب المجتمع كله.

















0 تعليق