في قلب القاهرة القديمة، وبجوار ميدان العتبة وحديقة الأزبكية، يقف سور الأزبكية شاهدًا على أكثر من قرن من الشغف بالقراءة والمعرفة، وواحدًا من أشهر أسواق الكتب القديمة والمستعملة في العالم العربي، حيث تختلط رائحة الورق القديم بحكايات القراء والكتّاب والباحثين، الذين وجدوا بين أكشاكه كنوزًا معرفية بأسعار بسيطة، وطبعات نادرة خرجت من المكتبات الخاصة إلى أيدي عشاق القراءة.
تأسس سور الأزبكية مطلع القرن العشرين، واستمر في أداء دوره الثقافي عبر عقود طويلة، ورغم ما شهده المكان من تغيرات عمرانية وتطويرات متتابعة، احتفظ بروحه الخاصة، تلك الروح التي دفعتنا إلى القيام بجولة ميدانية داخل السور بعد تطويره وتحديثه، لرصد حال المكان، وحركة البيع، وطبيعة المعروضات، وما يواجهه من تحديات وسط زحام المدينة.
الطريق إلى السور.. زحام يفصل الجمهور عن الكتب
بدأت الرحلة من ميدان العتبة، حيث الزحام الكثيف وحركة المارة وانتشار الباعة الجائلين في الممرات المؤدية إلى سور الأزبكية، ومع أول خطوة في الطريق إلى السور بدا الوصول إلى عالم الكتب أشبه بمهمة شاقة، إذ تتحرك الأقدام بقوة الدفع وسط أصوات متداخلة ومساحات ضيقة، بما يجعل الزائر يشعر أن هناك حاجزًا حقيقيًا يفصل بين الجمهور وبين الكتب والثقافة.
كان المشهد لافتًا، فبدلًا من أن تستقبل الزائر أصوات بائعي الكتب وهم يرشحون عناوين نادرة أو طبعات نفدت من الأسواق، تتقدم أصوات أخرى لباعة يعرضون منتجات بعيدة عن عالم المعرفة، في تعدّ واضح على طبيعة المكان ورمزيته الثقافية.
وبعد خطوات طويلة وسط الزحام، يصل الزائر أخيرًا إلى "سور الأزبكية الجديد"، حيث يتغير المشهد تمامًا، هنا تعود رائحة الورق القديم إلى الواجهة، وتظهر الأكشاك التي تحتفظ بعناوين كلاسيكية، ومراجع أكاديمية، ومجلات تراثية، وكتب دينية وتاريخية، ومطبوعات مرّ عليها زمن طويل، لكنها ما زالت قادرة على جذب قارئ يبحث عن كتاب بعينه أو مصادفة معرفية سعيدة.
جرائد ومجلات قديمة.. الذاكرة على أرفف الأكشاك
كان أول ما لفت الانتباه داخل السور وجود الصحف والمجلات القديمة التي تعود إلى عقود مضت، وبعضها يرجع إلى أزمنة أبعد، بما يجعلها وثائق صغيرة من ذاكرة مصر الثقافية والاجتماعية. ومن هنا اتجهنا إلى أحد الأكشاك، حيث يجلس الحاج كامل حلمي مهدي، الذي يعمل في مجال المكتبات وبيع الكتب منذ 25 عامًا، داخل مكتبة قال إنها مملوكة للحاج حربي، وتعد من أقدم المكتبات الموجودة في سور الأزبكية.

صحف قديمة في سور الأزبكية
وأوضح كامل حلمي أن نسخ الصحف والمقتنيات القديمة تصل إليهم غالبًا عبر الورثة، فبعد وفاة أصحاب المكتبات الشخصية القديمة، يبدأ الأبناء أو الأقارب في ترتيب المكتبات أو إخلاء الشقق، ثم بيع ما بها من كتب وصحف ومجلات إلى جامعي المقتنيات المستعملة، ليتم بعد ذلك فرزها وإعادة طرح المناسب منها للبيع.
وأشار إلى أن جامعي "الروبابيكيا" يقومون بدور مهم في هذه المنظومة، حيث تصل إليهم المقتنيات من المنازل والشوارع، ثم تُقسم إلى فئات مختلفة، من بينها الصحف والمجلات والكتب، قبل أن تختار المكتبات ما يناسب جمهورها من هذه المواد.

الجرائد القديمة
وتجد هذه المقتنيات رواجًا لدى شرائح مختلفة من الزبائن، بينهم أجانب وعرب، إلى جانب قراء عاديين ومهتمين بالكتب والمطبوعات القديمة، ممن يبحثون عن عدد تاريخي، أو مجلة تراثية، أو وثيقة صحفية تحمل ملامح زمن سابق.
أما الأسعار فتتفاوت بحسب الندرة والحالة وسنة الإصدار، إذ تتراوح بعض نسخ الصحف القديمة بين 20 و50 جنيهًا، بينما تصل بعض الإصدارات الأقدم، خاصة التي تعود إلى الحقبة الملكية أو خمسينيات القرن الماضي، إلى ما بين 50 و75 جنيهًا تقريبًا.

الكتب الدينية
ولا يقتصر النشاط على الصحف والمجلات، إذ تشمل المعروضات أيضًا مصاحف قديمة، وكتبًا دينية، وكتب تاريخ، ومطبوعات تصل إلى السور عبر أفراد يمتلكون نسخًا قديمة ويرغبون في بيعها، لتستمر دورة تداول المعرفة من الجمهور إلى المكتبات، ثم من المكتبات إلى جمهور جديد.
الروايات الجديدة والمترجمات.. حضور متجدد داخل السور
بعد الحديث مع كامل حلمي، تواصلت الجولة داخل أكشاك سور الأزبكية، حيث يظهر التنوع الكبير في المعروضات، فإلى جانب الكتب القديمة والمستعملة، توجد مؤلفات أدبية وفكرية وتاريخية، وكتب مدرسية وجامعية، ومراجع نادرة يقصدها الباحثون وطلاب الدراسات العليا، فضلًا عن الروايات الجديدة التي صدرت حديثًا بالتزامن مع معرض القاهرة الدولي للكتاب.

المترجمات بسور الأزبكية
وتحتل الكتب المترجمة مساحة واضحة داخل كثير من المكتبات، إذ يقبل عليها جمهور يبحث عن الأدب العالمي بأسعار أقل من أسعار الطبعات الجديدة في المكتبات الكبرى، وهنا يبرز سور الأزبكية بوصفه مساحة مفتوحة للقارئ الذي يريد بناء مكتبته تدريجيًا، من الأدب العربي إلى الروايات العالمية، ومن كتب التراث إلى الدراسات الحديثة.
وتبدو قيمة السور ممتدة إلى ما هو أبعد من تجارة الكتب؛ فهو جزء أصيل من الذاكرة الثقافية المصرية، بين أركانه يمكن أن تجد ركنًا يحمل اسم نجيب محفوظ، وآخر لطه حسين، وثالثًا ليحيى حقي، إلى جانب أسماء كبيرة من رواد الأدب والثقافة في مصر والعالم العربي.

مؤلفات يحيى حقي بمكتبات سور الأزبكية
ويظل السعر واحدًا من عوامل الجذب الأساسية، إذ تبدأ بعض الروايات والكتب القديمة من 10 جنيهات، بما يتيح للقارئ تكوين مكتبة متنوعة تضم عناوين بارزة من الأدب العربي والأجنبي بأسعار مناسبة، تقل كثيرًا عن أسعار العناوين نفسها في أماكن بيع أخرى.
الباعة الجائلون يضغطون على عالم الكتب
رغم هذا الثراء، تكشف الجولة داخل سور الأزبكية عن تغير واضح في حركة البيع، فالصورة القديمة التي ارتبطت بالسور، حيث مئات الزوار يتجولون بين الأكشاك، ويقلبون الكتب، ويسألون عن العناوين، تبدو اليوم أقل حضورًا، المساحات أكثر هدوءًا، وعدد الزبائن محدود، والباعة يجلسون وكأنهم اعتادوا حالة الركود.

مكتبات سور الأزبكية
دفعنا هذا المشهد إلى سؤال شريف سعيد، أحد بائعي الكتب في السور، عن أسباب تراجع حركة البيع، فقال إن الوضع أصبح صعبًا للغاية، مؤكدًا أن هناك فرقًا كبيرًا بين الماضي والحاضر، ففي السابق كانت الحركة نشطة، والإقبال مستمرًا، والازدحام داخل السوق جزءًا من طبيعته اليومية، أما اليوم فالحركة ضعيفة، والبيع محدود، والوصول إلى المكان صار مرهقًا لعدد كبير من الزبائن.
وأشار شريف سعيد إلى أن الازدحام الشديد خارج السوق، وتداخله مع زحام المترو والباعة الجائلين، خلق مشكلة كبيرة في الوصول إلى الموقع الجديد، وهو ما أثر مباشرة في حركة البيع، وأدى إلى تراجعها بصورة واضحة، لتدخل السوق في حالة من الركود.
السور باقٍ بروحه
ورغم هذه التحديات، يبقى سور الأزبكية واحدًا من أهم الأماكن الثقافية في القاهرة، ومقصدًا لعشاق القراءة والباحثين عن الكتب النادرة والمطبوعات القديمة، فكل كشك داخله يحمل حكاية، وكل رف يفتح بابًا على زمن مختلف، وكل كتاب قديم يعيد وصل القارئ بتاريخ طويل من المعرفة.

أسعار تبدأ من 10 جنيهات

روايات وكتب

سور الأزبكية الجديد

سور الأزبكية

كتب الأطفال في سور الأزبكية

كتب الأطفال

مجلات قديمة

مجلات وصحف قديمة

مكتبة عم حربي

مؤلفات وكتب دينية

عدد الورقى
















0 تعليق