في 18 مايو عام 1944 بدأت السلطات السوفييتية تنفيذ واحدة من أكثر عمليات التهجير الجماعي إثارة للجدل في القرن العشرين، عندما أصدر الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين أوامره بترحيل سكان شبه جزيرة القرم من تتار القرم إلى آسيا الوسطى وسيبيريا، في عملية عُرفت لدى التتار باسم «سورغونليك» أي النفي أو التهجير.
واستمرت العملية بين 18 و20 مايو 1944، وشملت ما لا يقل عن 191 ألف شخص، بينهم نساء وأطفال وشيوخ وحتى جنود كانوا يقاتلون ضمن الجيش الأحمر.
اتهامات بالتعاون مع النازيين
بررت السلطات السوفييتية قرار الترحيل باتهام تتار القرم بالتعاون مع القوات الألمانية خلال الحرب العالمية الثانية.
وبالفعل، شهدت سنوات الاحتلال الألماني لشبه الجزيرة تشكيل وحدات دفاع محلية من بعض التتار، قُدر عدد أفرادها بين 15 و20 ألف شخص، تولت حماية بعض القرى والعمل ضد المجموعات السوفييتية المسلحة.
لكن في المقابل، انضم آلاف من تتار القرم أيضًا إلى الجيش الأحمر، وشارك آخرون في حركات المقاومة ضد القوات النازية، كما واصل عدد منهم القتال حتى وصول الجيش السوفييتي إلى برلين.
ورغم ذلك، اتجهت القيادة السوفييتية إلى تطبيق عقوبة جماعية شملت المجتمع التتاري بأكمله.
قطارات التهجير والموت
أشرف على العملية لافرينتي بيريا، رئيس جهاز الأمن السوفييتي، حيث جرى جمع السكان بشكل عاجل ونقلهم داخل عربات مخصصة لنقل الماشية باتجاه أوزبكستان وسيبيريا ومناطق أخرى في آسيا الوسطى.
وخلال أيام الترحيل الأولى توفي نحو 8 آلاف شخص، بينما قضى عشرات الآلاف لاحقًا بسبب الجوع وسوء التغذية والأوبئة والظروف القاسية في المنفى.
وتشير بعض التقديرات إلى أن نسبة الوفيات بين المهجرين تراوحت بين 18 و46% من إجمالي المرحلين.
محو الهوية من القرم
لم يقتصر الأمر على التهجير فقط، إذ سعى النظام السوفييتي إلى إزالة آثار الوجود التتاري في القرم.
فقد أُخليت نحو 80 ألف وحدة سكنية وصودرت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية تجاوزت 360 ألف فدان، كما اختفت الإشارة إلى تتار القرم من الإحصاءات الرسمية لسنوات طويلة.
وبذلك تحولت العملية من مجرد نقل سكاني إلى محاولة لإزالة الهوية التاريخية للشعب التتاري من شبه الجزيرة.
عقود في المنفى
بعد وفاة ستالين، أدان الزعيم السوفييتي نيكيتا خروتشوف بعض سياسات الترحيل الجماعي، لكنه لم يسمح لتتار القرم بالعودة.
وظل الحظر قائمًا حتى أواخر الثمانينيات مع سياسة البيريسترويكا، حين بدأ مئات الآلاف العودة إلى موطنهم الأصلي بعد نحو 45 عامًا من النفي.
وبحلول عام 2004 شكل العائدون ما يقرب من 12% من سكان القرم، لكن كثيرين منهم لم يحصلوا على تعويضات عن ممتلكاتهم أو الأراضي التي فقدوها.


















0 تعليق