الشاعرة فاتن متولى تكتب عن مسرحية توفيق الحكيم "أغنية الموت"

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

متى يكون الموت حلاً لانتهاء صراع الحياة والمعتقدات؟! وكيف للحياة أن تكون حلبةً لمعتقدات وتصحيح أفكار؟! ومن سينتصر: الحياة أم الموت؟

في مسرحية توفيق الحكيم التي بين أيدينا "أغنية الموت"، والتي تناقش أفكاراً مهمة خرجت من بين طيات مبدع استثنائي؛ نجد انعكاساً لعمله في أرياف صعيد مصر وقرىً خالفت في طبيعتها الحضر والتمدين، مما أوجد صوراً من الجهل وغياب العقل الإنساني، وانتشار العادات القبلية العتيقة التي تتحكم في أفعال وتصرفات تلك القرى وهؤلاء الناس.
لذا، لا أدري هل كان العقل الواعي للكاتب هنا هو الذي يكتب، أم مخزونه الوجداني المعاش هو الذي استحضر تلك المشكلات التي طُرحت بشكل أعمال إبداعية تناقش وتجاهد وتكافح الجهل والتخلف، لخلق جهة مضادة تُغلب العقل والمنطق والقانون؟ وأياً يكن، ففي كلا الحالتين القارئ أو المتلقي هو المستفيد الأوحد، ليجد مساحة من المتعة وإعمال العقل والمنطق والتوثيق بفكره المتجدد، وكتابة نوعية لمبدع كبير كتوفيق الحكيم.

أغنية الموت:
الأغنية هي ما نردده على ألسنتنا في الفرح والحب والحياة، فكيف تلتصق بما بعدها لتكون مضافةً إلى "الموت"؟!
نعم، "عساكر" الزوجة التي فقدت زوجها وهي ما زالت في ريعان شبابها، فجاءها محمولاً على حمارته وقد مُثِّل بجثته، وأداة الجريمة في ذلك "الخُرج"، فتجرعت مرارة الفقد واختزلت الحزن لحين القصاص. والأم التي هربت بابنها إلى القاهرة وخبأت رضيعها عند أحد أقاربها لحين يكبر ويأخذ بالثأر، كالعادات الريفية التي تغالي في شرف الموت نظير حياة بائسة لمن تخلى عن ثأره ودمه الذي يطوق رقبته، في انتظار تسديد هذا الدين من ابن القتيل الذي يكبر ويشب عن الطوق.

لكنه يرجع بأفكار تنويرية حين درس وعلم وفهم، وجاء لقريته مهموماً برسالته تلك كنبيٍ جاء يبشر بدين العقل والعلم والخير والسلام؛ فقابلته "عساكر" بالجهل المتجسد بأفكار الدم والموت والخراب المتسلسل كالطوفان الهادر الذي يأخذ في طريقه كل شيء.

يبدأ الحوار بأغنية تعلن قدوم أمل بات على وشك التحقق، فتنطلق الأغنية على لسان "صميدة" ابن أختها مبروكة، كإعلان بالخلاص من الحزن والانتقام وخنوع الموت وانتظار الأخذ بالثأر. يبدو الأمل وشيكاً على بُعد خطوات من صوت قطار يأتي، وهديل حمام يحمل النقيضين في بيت عتم كئيب، يحمل بين طياته الحزن والجهل والدم.

يأتي "علوان" ويواجه "عساكر" الأم، فيحدث الصراع والصدام والصدمة في آن واحد؛ ما بين الأمل واليأس، الفرح والحزن، الجهل والعلم، والموت والحياة. فيقرر علوان الانسحاب وعدم الالتزام بعقائد قروية تعيش على سلسال الدم الذي يئد شباب القرية ويفرد مساحات الجهل، لكنه على وعد بالرجوع في وقت لاحق لعله يفلح في المرة القادمة.

لكن "عساكر" في لحظة غضب تشتعل ككرة من لهب، وفي اعتقادي الفكرة الثابتة ثبوت جبل راسخ من أفكار بالية لا تلين ولا تسمح بنور البصيرة أن يتسلل إلى العقل، فترسل "صميدة" ابن أختها ليجهض حلم علوان، بل ويقتص منه وكأنه أصبح خصماً وعدواً لدوداً لدى أمه "عساكر". وكما كانت الأغنية هي إشارة بتجدد الأمل وإعلان بوصول علوان، باتت هي الأخرى نذير شؤم على لسان "صميدة" وهو ينهي مهمته ويقتل علوان.

يأتي من جديد صوت القطار كأملٍ في رحيل علوان قبل أن يلحقه صميدة، وصوت الرياح في صحراء قاحلة كخواء القبور يسكن قلب "عساكر" كشبح قابع ينتظر الإشارة لما يعتمل في صدرها من صراع. فينتصر الجهل بإعلان "صميدة" خلاصه من "علوان"، وإطلاق أغنيته التي كانت إعلاناً بالموت وانتصاراً له.

الشخصيات (ضدية التركيبة الإنسانية):
فنجد مقابلة ضدية ما بين الأختين:
عساكر: الأم التي تحمل في تكوينها النفسي بؤراً معقدة وصراعاً نفسياً يتصاعد ما بين الثأر وبين قلب الأم، فينتصر الجهل عندها. عساكر تلك التي يحمل اسمها مضمون شخصيتها؛ إنسانة متجهمة نسيت الضحك والفرح، تصميمها على أفكارها الصلدة الخاطئة يجعلها شخصية عنيدة لا تسمع سوى صوتها.

مبروكة: رغم أنها أخت عساكر، لكنها شخصية سهلة وبسيطة تتعامل بفطرتها وقابلة للتطويع، لها ابتسامة طيبة وحوارها صوته هادئ ومريح.

علوان: شاب خلوق متعلم، جاء من القاهرة بعد أن تعلم في الأزهر الشريف، رفض أن يكون حلقة في سلسال من دم وثأر وجهل، حاول أن يكون إيجابياً وأن يقوم بدور تنويري لأمه وقريته لكن دون جدوى.

صميدة: ابن خالة علوان، شاب ريفي تربى على أفكار قديمة وشب ونشأ عليها؛ شخصية منقادة ترتكب الجريمة دون وعي أو إعمال للعقل، فكان أداة طيعة في يد عساكر خالته.

تتسم مسرحية الفصل الواحد هنا بتكثيف الفكرة والصورة.

تأويلاً للنص:
ففي "أغنية الموت" تظهر الشخصيات بساعدها الدرامي وتتابع الأحداث بوتيرة سريعة، كما نرى ضدية الشخصيات تجاه تركيبتها داخل النص. صراع الأفكار يتباين من وقت وقوع الحدث حتى الموت.

رمزية الحدث تتمثل في صراع الفكرة ما بين الجهل وعادات الثأر من بحور الدم التي لا تهدأ، وبين النور المتمثل في العلم والأفكار التي تحمل رسالة الخير والسلام والحب. صراع الفكرة التي ترتكز عليها أحداث النص جعل منها رسالة تنويرية تحمل في طياتها الكثير مما أراد النص أن يبعثه  ويقوله للمتلقي.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق