احتلت العدالة مكانة مركزية في حضارة مصر القديمة، إذ لم تكن مجرد قوانين تنظم حياة الناس، بل كانت فلسفة متكاملة تقوم على الحق والنظام والتوازن، وقد حرص المصري القديم على ترسيخ قيم الإنصاف داخل المجتمع، من خلال نظم قضائية واضحة ومفاهيم أخلاقية سبقت كثيرًا من الحضارات، وهو ما جعل العدالة أحد أبرز أسرار استقرار الدولة المصرية القديمة عبر قرون طويلة، وقد تجسدت هذه الفكرة في مفهوم "ماعت"، وهي رمز الحق والعدل والنظام والتوازن، وكانت تُصوَّر في هيئة امرأة تضع ريشة فوق رأسها.
ماعت رمز العدالة والقوانين الأول في مصر القديمة
حسب ما جاء في كتاب "الديانة المصرية" من تأليف خزعل الماجدي: تعتبر ماعت رمز العدالة والقوانين الأول في مصر القديمة، وهي ببساطة تعني التوازن الذي يشمل الكون والأرض والإنسان والمجتمع، فهي مرادفة للعدالة والصدق والاستقامة، ولكنها لا تستعمل كبديل عنها، فهي تعني الانسجام والتوازن والاستقرار في النظام، إنها عكس الفوضى في أي شيء.
وكانت ماعت تُمثَّل كإلهة تعلو رأسها ريشة نعام (والريشة هنا رمز العدالة وكانت توضع في ميزان العدالة بعد الموت، الذي بيد أوزيريس ويوضع قبالتها قلب الميت الذي يشير إلى ضميره لمعرفة السيئات من الحسنات)، وكانت الإلهة ماعت تمسك بمفتاح الحياة (منخ) في إحدى يديها وتمسك باليد الأخرى الصولجان من وسطه دلالة على التوازن، وكان ينسب لها التحكم بالفصول وبحركة الكواكب والنجوم، وكان اسم مصر قديمًا هو «أرض النيل وماعت»، ظهرت عبادة ماعت مع توحيد الإقليمين الشمالي والجنوبي في بداية عصر الدولة القديمة، واعتبر ذلك بداية التوازن والعدالة ونشوء الدولة والعدل، وكانت هي رمزه، وكان يعتقد أنها ابنة رع وزوجة تحوت (الشمس والقمر) وأنها لحقت بهما في القارب الشمسي عندما أبحروا من نون في الزمن الأول، وهي الضوء الذي أحضره رع إلى العالم، حيث خلق العالم بوضعها في مكان المادة الكونية قبل الخلق.
ماعت رمز الحضارة المصرية
ماعت هي رمز الحضارة المصرية إذا صح التعبير؛ لأنها تمثل كلَّ مظاهر هذه الحضارة وهي في حالة إبداع وتوازن وعلى أسس العدالة والقانون، كان رجال القضاء يعتبرون بمثابة «كهنة ماعت»، وكان من الطبيعي ألا يكون لها معبد معين لأنها الانسجام المنتشر في كلِّ شيء، وهي «أهم دعامة للكمال الخلقي في عالم تسوده الخطيئة، ومن ثَم فقد قال عنها أحد الفراعين: «هي خبزي وإني أشرب من نداها»، هذا وقد ادعى عامة القوم أنهم في حاجة إلى سند ماعت ومعونتها أكثر من حاجتهم إلى بقية الآلهة بعد الموت، ليتأثروا بها عن طريق الفرعون والكهنة والقوانين الموجودة على الأرض، فقد كان كلُّ القضاة كهنتها» (أديب، 2000م، 701).
أطلق المصريون القدماء كلمة «ماعت» على جوهر النظام والعدالة للكون والملك والمجتمع والفرد، ولخصت هذه الكلمة الفلسفة الروحية العميقة للأخلاق والقيم والعدل والمثالية.


















0 تعليق