تمر اليوم الذكرى الـ 40 على انفجار أحد المفاعلات الأربعة لمدينة تشرنوبيل، والذي تعد واحدة من أشهر كوارث القرن العشرين، وذلك في 26 أبريل عام 1986م، وتسبب الحادث، لاحقًا فى مقتل العشرات، بينما لا يزال عدد الضحايا غير دقيق، إذ يقدر البعض القتلى بالآلاف، كما تم إجلاء السكان من مدينتين و74 قرية، ومن الكتب الشهيرة التى تناولت هذا الأمر كتاب صلاة تشرنوبل للكاتبة البيلا روسية الحاصلة على جائزة نوبل سيفتلانا أليكسيفيتش.
مقابلة ما بين المؤلفة ونفسها
حسب ما جاء في كتاب صلاة تشرنوبل، في فصل بعنوان "مقابلة ما بين المؤلفة ونفسها حول التاريخ المغفل لماذا يضع تشرنوبل تصورنا للعالم تحت الشكوك"، تقول الكاتبة: أنا شاهدة على تشرنوبل... أهم أحداث القرن العشرين، بغض النظر عن الحروب المخيفة والثورات، التي سيتذكرها هذا القرن، عشرون عاما مرت بعد الكارثة، لكن لدي حتى الآن سؤال - على ماذا سأشهد: على الماضي أم على المستقبل؟ من السهل هكذا السقوط في الابتذال.... في ابتذال الرعب... لكنني أنظر إلى تشرنوبل، كبداية للتاريخ الجديد، إنه ليس معرفة فحسب، بل مقدمة المعرفة، لأن الإنسان دخل في جدال مع التصورات القديمة عن نفسه وعن العالم، عندما نتكلم عن الماضي أو عن الحاضر، فإننا ندخل في هذه الكلمات تصوراتنا عن الزمن، لكن تشرنوبل - هو قبل كل شيء كارثة الزمن، إن النيكلودات المشعة المنثورة على أرضنا، ستعيش خمسين، مئة، مئتي، ألف عام... وأكثر... فهي أبدية من وجهة نظر الحياة الإنسانية، ما الذي نقدر نحن على إدراكه؟ هل بمقدورنا الوصول إلى المغزى الكامن في هذا الرعب غير المعروف لنا من قبل ووعيه تماماً؟.
عن ماذا هذا الكتاب؟ ولماذا كتبته؟.
هذا الكتاب ليس عن تشرنوبل، بل عن عالم تشرنوبل، كتبت عن الحادثة نفسها آلاف الصفحات وصورت مئات آلاف المترات من أفلام التصوير، أنا أشتغل على ما يمكن أن أسميه التاريخ المغفل، على الآثار التي لم تترك أثراً لوجودنا على سطح الأرض وفي الزمن، أكتب وأجمع الأحاسيس اليومية، والأفكار، والكلمات أحاول الارتقاء لأكون روحاً.
وأكتب عن الحياة اليومية المعيشة للناس العاديين، هنا كل شيء غير عادي: الظروف، والناس، وكيف أجبروا أن يكونوا، رفعوهم ليصبحوا بمستوى الظروف، عندما أعمروا الفضاء الجديد تشرنوبل بالنسبة لهم -ليس استعارة ولا رمزاً - هو بيتهم، كم مرة أجرى الفن بروفات على الرؤيا، وجرب سيناريوهات تكنولوجية متعددة ليوم القيامة، لكننا الآن نعرف بدقة، بأن الحياة ستكون أكثر غرابة.
تشرنوبل بعد عام من الكارثة
سألني أحدهم بعد سنة من الكارثة: "الجميع يكتب، وأنت تعيشين هنا ولا تكتبين، لماذا؟" أنا لم أعرف كيف أكتب عن ذلك، بأية وسيلة ومن أين تدخل، إذا كنت في السابق، عندما كتبت كتبي، قد نظرت عميقاً في معاناة الآخرين، فأنا وحياتي الآن قد أصبحنا جزءًا من الأحداث نفسها، فقدنا بصيرتنا جميعًا، ولا يمكننا الابتعاد إلى مسافة ما عما جرى، اسم دولتي الصغير الضائع في أوروبا، تلك التي لم يعرف عنها العالم تقريباً أي شيء منقبل، رنَّ في جميع اللغات، وتحولت إلى مختبر تشرنوبل الشيطاني، أما نحن البيلاروسيين، فأصبحنا شعب تشرنوبل، ما من مكان أظهر فيه الآن إلا وينظرون إلى بفضول سائلين: هل أنت من هناك؟ ماذا حدث عندكم؟.. طبعاً كان يمكن كتابة كتاب بسرعة، مثل تلك الكتب التي صدرت فيما بعد الواحد تلو الآخر - ماذا حصل تلك الليلة في المحطة من المذنب كيف أخفوا الحادث عن العالم وعن شعبهم، كم احتاج الأمر من أطنان الرمل والإسمنت لتشييد التابوت فوق المفاعل الذي يتنفس الموت - لكن شيئاً - ما استوقفني، قبض علي من يدي.
ماذا؟ الإحساس بالسرية هذا الإحساس الذي استقر فينا، وخيم حينها فوق كل شيء : أحاديثنا، وتصرفاتنا ورعبنا مما أعقب الحادث مباشرة.
الحادث - الوحش الضخم، لقد ظهر لدى الجميع إحساس يمكن التعبير عنه أو لا يمكن بأننا اصطدمنا بالمجهول تشرنوبل - هو سر، يتعين علينا حله هو رمز غير مفسّر، لعله لغز للقرن الحادي والعشرين، وتحد له، لقد أصبح واضحاً: فماعدا التحديات الدينية والقومية والشيوعية التي نعيشها ونتخطاها اليوم تنتظرنا تحديات أخرى، أكثر وحشية وشمولية، لكنها ما زالت خافية عن العين، إلا أن شيئاً - ما بدأ يتكشف بعد تشرنوبل...
















0 تعليق