مع حلول فصل الربيع كل عام يحتفل المصريون بعيد شم النسيم، ومهرجان الربيع، ومع تفتح ألوانه الأولى على أرض مصر، تحتفل مصر بواحدة من أقدم تقاليدها.
هذا المهرجان العريق، الذى يعود تاريخه إلى آلاف السنين، والمتجذر فى التاريخ المصرى القديم، لا يزال يجمع المصريين من جميع الأديان فى أجواء من البهجة والتواصل مع الطبيعة، ان شم النسيم ليس مجرد احتفال موسمى، بل هو جسر حي يربط بين ماضى مصر المجيد وحاضرها النابض بالحياة.
الأصول المصرية القديمة لشم النسيم
يعود تاريخ شم النسيم إلى أكثر من أربع آلاف وسبعمائة عام، إلى زمن الدولة القديمة فى مصر. احتفل المصريون القدماء بهذا المهرجان باسم "شمو"، والذى يعنى حرفيًا "موسم الحصاد" بالهيروغليفية. كان هذا الاحتفال يُشير إلى بداية الموسم الزراعي وبداية نهضة الطبيعة بعد شتاء قاسٍ.
شارك المصريين القدماء بأنفسهم فى هذه الاحتفالات المهيبة، تشهد النقوش على جدران معابد الآلهة أو على جدران المقابر على المواكب الملكية التى نُظمت لهذه المناسبة المقدسة. وقد حسب كهنة معبد رع فى هليوبوليس بدقة فلكية يوم الاعتدال الربيعى بدقة متناهية، وهى اللحظة التى يتساوى فيها الليل والنهار تمامًا.
وفى علم الفلك، رمزت هذه الفترة إلى التجدد الدائم، والذى تجسد فى أسطورة أوزيريس الذى قام من بين الأموات. اعتقد المصريون القدماء أن الربيع يمثل انتصار الحياة على الموت، ودورة أبدية من التجدد تجسدها الطبيعة كل عام.
التقاليد القديمة واستمراريتها
تُظهر طقوس شم النسيم المصرية القديمة استمرارية ملحوظة مع الممارسات المعاصرة. فقد اعتاد المصريون القدماء تناول أطعمة محددة فى هذا اليوم، وهى أطباق صمدت عبر آلاف السنين لتظل جزءًا أساسيًا من الاحتفالات الحديثة.
يحتل السمك المملح، المسمى "فسيخ"، مكانة مركزية فى هذه التقاليد الغذائية. وتشير النقوش المصرية القديمة إلى هذا الطبق كقربانٍ لآلهة النيل. كما زيّنت البيضات الملونة، وهى رموز عالمية للخصوبة والولادة الجديدة، موائد الولائم المصرية القديمة. ويُكمّل البصل الأخضر والخس، اللذان كانا يُعتبران من النباتات المقدسة فى مصر القديمة، هذه القائمة التقليدية الغنية بالرمزية.
وكانت العائلات فى مصر القديمة تذهب إلى الحدائق وضفاف النيل لاستنشاق هواء الربيع، الذى اعتبروه مُنقّيًا ومفيدًا للصحة. ولا تزال هذه العادة، التي تُسمى "استنشاق الهواء" فى النصوص القديمة، قائمةً حتى اليوم، حيث يقضى المصريون يوم شم النسيم فى الحدائق والمساحات الخضراء.
زوار مشهورون وروايات تاريخية
على مر العصور، إستقطبت مصر ألمع العقول فى عصرها. فقد أمضى هيرودوت، المؤرخ اليونانى الذى عاش فى القرن الخامس ق.م، وقتًا طويلاً فى مصر، ووثّق عاداتها وتقاليدها بدقة متناهية. وفى كتاباته، أشاد بالاحتفالات الموسمية للمصريين، بما فيها على الأرجح شم النسيم.
وسافر سترابو، الجغرافى الرومانى، عبر مصر في القرن الأول ق.م، ووصف بإعجاب الاحتفالات الشعبية التى كانت تُضفى البهجة على ضفاف النيل. وسجل الرحالة العرب فى العصور الوسطى، مثل ابن بطوطة والمقريزى، فى سجلاتهم التاريخية التقاليد المصرية التى استمرت رغم تغير الحضارات.
وفي العصر الحديث، قاد نابليون بونابرت حملته المصرية الشهيرة عام 1798، برفقة 167 عالمًا درسوا جميع جوانب الحضارة المصرية دراسة منهجية. كشف جان فرانسوا شامبليون، مُفكِّك رموز الكتابة الهيروغليفية، للعالم أسرار الكتابة ، مما أتاح لنا فهم عراقة تقاليد مثل شم النسيم.
زار الكاتب الفرنسى جوستاف فلوبير مصر عام 1849، وانبهر بجوّها الفريد حيث يتعايش القديم والحديث بانسجام. وفى العصر الحديث، كرس عالم المصريات البريطانى هوارد كارتر، مكتشف مقبرة توت عنخ آمون عام 1922، حياته لكشف أسرار الحضارة المصرية القديمة.
أقوال شهيرة عن مصر
لطالما ألهمت مصر تأملات عميقة لدى بعض أعظم مفكرى التاريخ. فقد أعلن هيرودوت: "مصر هبة النيل"، مقرّا بالدور الحيوى الذى يلعبه هذا النهر المقدس فى ازدهار هذه الحضارة.
وقبل المعركة، نظر نابليون بونابرت إلى الأهرامات، وحثّ جنوده قائلًا: "أيها الجنود، من أعلى هذه الأهرامات، تنظر إليكم أربعون قرنًا". ولا تزال هذه العبارة تتردد أصداؤها حتى اليوم، مُستحضرةً عظمة الحضارة المصرية وعمقها الزمني الأخاذ.
وتغنى الشاعر العربى أحمد شوقى، أمير الشعراء: "النيل أم مصر، ومصر أم العالم". ويعكس هذا الاحتفاء بمصر كمهد للحضارة شعورًا مشتركًا لدى العديد من المفكرين.
وكتب شامبليون بنفسه فى رسائله: "في مصر، يشعر المرء بصغره أمام هذه العظمة". "ويبقى التواضع أمام إنجازات المصريين القدماء تجربة مشتركة لجميع زوار هذه الأرض الاستثنائية".
يمثل شم النسيم أكثر بكثير من مجرد احتفال ربيعى. إنه خيط ذهبى يربط مصر الحديثة بجذورها المصرية القديمة العريقة، وتأكيد حى على استمرارية التراث الثقافى وعمق الهوية المصرية. من خلال إحياء هذه الطقوس الموروثة، يُكرم المصريون ذكرى أسلافهم العظام، ويؤكدون انتماءهم إلى حضارة فريدة شكلت تاريخ البشرية.
يجسد هذا المهرجان الروح المصرية فى أصدق صورها: بهجة الحياة، واحترام التقاليد، وحب الطبيعة، والقدرة على تجاوز الانقسامات للاحتفال معًا بتجدد الحياة الدائم. وهكذا، يبقى شم النسيم كنزًا من كنوز التراث الإنسانى غير المادى، وجسرًا منيرًا بين الماضى المجيد والمستقبل الواعد لأرض مصر.
سر أوزيريس الأخضر
يذكرنا الاحتفال بعيد شم النسيم، بواحد من الممارسات الشعائرية التى كان المصرى القديم يمارسها كل عام، على الرغم من أن التوقيت مغاير إلا أن الفكرة قائمة ألا وهى الزراعة، فنجد المصريون فى هذه الأيام يقومون فى المنازل بزراعة بعض الحبوب لتنبت مع الإحتفال بعيد شم النسيم، فيأتى النساء والأطفال بعمل تربة بديلة من القطن المصرى، ووضع عليها الحبوب من الحلبة أو الفول وغيرها لتنبت بعد ريها بالماء بصفة دورية، ويؤخذ الأعواد النباتية الخضراء منها، يذكرنا ذلك بأن هذه التربة الممثلة فى القطن ما هى إلا تربة بديلة ميتة ليس بها حياة وعندما تنبت تتغير طبيعتها إلى تربة تخرج أعواد نباتية وهو ما كان يفعله المصرى القديم من عمل قالب على هيئة تمثال لأوزيريس وعثر على هذا القالب فى مقبرة الملك توت عنخ آمون وآثار هذا القالب العديد من محاولات التفسيىر، وهذا ما سأوضحه فى مقالى بمشيئة الله.
لقد تولد من المضمون الأسطورى الخاص بعبادة أوزيريس نوع من الممارسات الشعائرية، فقد كانت هناك تماثيل خاصة بأوزيريس قد صنعت خصيصًا من أجل أن تبقى مؤقتًا. وكانت تصنع كل عام فى وقت الإحتفال بـأسرار أوزيريس التى كانت تبدأ من اليوم الثامن عشر إلى اليوم الأخير برابع أشهر السنة أى شهر كيهك أثناء إنحسار مياه الفيضان وبذر الحبوب وبداية إنبات المزروعات.
وعندئذ كان يتم صنع جسمين أوزيريين، واحد لأوزيريس خنتى امنتيو والآخر للإله سوكر وفقًا لأساليب معينة سوف نعرضها لاحقًا.
ويحل هذان الجسمان مكان الذين كانا قد صنعا فى العام الماضى وتم دفنهما فى إحتفال مهيب.
كانت أولى العلامات الدالة على وجود أسرار أوزيريس قد تراءت خلال الدولة الوسطى، وتدل بعض الأدلة الأثرية أن صناعة تماثيل أوزيريس هذه كانت قد بدأت منذ الأسرة الحادية عشر.
ولكن بالرغم من ذلك نجد أن بعض الكتابات المتأخرة وعلى التوابيت فى العصر المتأخرهى فقط التى تصف تماثيل تلك العبادة الخاصة بإله الموتى والزراعة والبعث أوزيريس.
وفى نهاية الأمر، خُلدت التماثيل السنوية التى تتحدث عن حياة، وموت، وبعث أوزيريس فى إطار الشعائر التى تصفها أكثر من تخليدها ماديًا. لا تبدو تماثيل مومياوات أوزيريس التى أكتشفت فى بعض الجبانات الصغيرة على قدر واضح من الجمال.
مهما يكن الأمر، فقد كانت صناعة التماثيل بمثابة الموضوع الأساسى للشعائر، حيث كانت الإلهة ايزيس، تقوم بدور البطل الرئيسى، وكان من الطبيعى جدًا أن تكون الآلهة والإلهات هى فقط الممثلة فى هذه الطقوس، بإعتبار أن هذه الطقوس كانت سر من الأسرار.
ومع ذلك فإن طبيعة الممارسات والشعائر التى يعتقد أنها قد تعمل على إعادة تكوين الجسد الأوزيرى قد ذكرت تفصيليًا بالنص والصورة فوق جدران المقاصير الأوزيرية بمعبد دندرة.
طقسة صناعة تمثال وجثمان أوزيريس
كخطوة أولى يتم فى آن واحد، وفقًا لشعائر متطابقة، صناعة تمثال لأوزيريس وهو يعمل بالزراعة وتمثال بديل للجثمان الأوزيرى.
صناعة تمثال أوزيريس فى اليوم الأول من الاحتفالات عند الفجر يتم نقل "شنتايت" أحد أشكال ايزيس الأرملة القائم فى أبيدوس إلى مكان يسمى بمكان عيد تقليب التربة.
توضع أمامها كومة من حبوب الشعير فوق سرير تقف عليه عارية، ثم تقوم هى بنفسها بوضع هذه الحبوب فوق قطعة من القماش مفرودة أمامها.
هناك معايير دقيقة يجب أن تقوم الإلهة شنتايت فقط بتحضيرها، يستعان فى هذه الطقسة بصندوق أسطوانى الشكل لوضع مقدار لتر من الحبوب وتُكوَن من هذه الكمية أربعة أجزاء، بحيث يعادل كل جزء منها 1\4 لتر، ويتم رى هذه الحبوب التى وزعت على أربع كئوس من الذهب بلتر وربع من مياه النهر المقدس حتى الساعة السادسة.
بعد ذلك تتم غربلة كمية من الرمال مقدارها 1\4 لتر، ثم تروى وتخلط بالشعير، توزع هذه المركبات الأربعة بعد ذلك على جزآن، يخصص جزآن منها للتمثال، والجزآن الآخران من أجل الجثمان.
يلاحظ أن القالب الذى أستعمل من أجل صناعة تمثال أوزيريس- خنتى امنتيو قد صب من الذهب، وهو يتكون من جزءين متصلين ببعضهما البعض، الجزء الأول من أجل صب جزء التمثال الأمامى، والثانى من أجل الجزء الخلفى.
ويَسمح القالب بأكمله بصناعة شكل مومياء لها رأس آدمى، وقد تلاقت ذراعها فوق صدرها، وهى تمسك بالعصا والسوط، وتغطى رأسها بالشعر الإلهى المستعار، الحية فوق جبهتها.
ولا يعرف بالضبط الشكل الذى يبدو عليه القالبان الخاصان بتشكيل الجثمان، سوى أنهما مصنوعان من الفضة.
ويتم الآن ملء القوالب الأربعة، بعد أن يفرش قاع الإثنين الخاصين بالتمثال بقماش رقيق، وتوضع جميعها بداخل حوض، ما بين طبقتين من القش.
بعد ذلك تقوم إيزيس، حتى اليوم الواحد والعشرين من شهر كيهك، بريها ريًا منظمًا بالمياه، ليلاً ونهارًا، من أجل تنشيط عملية إنبات الحبوب المتضمنة بهذه المركبات.
يتم جمع هذه المياه بعد ذلك بكل عناية، فهى تمثل السمات المرضية للإله، كما تحتم الضرورة أيضًا تغيير القش كل يوم ودفنه بداخل الجبانة ، لأنه قد لامس السوائل الإلهية.
ثم يتم تغطية الحوض بغطاء من الخشب ووقف على حمايته حشد كبير من الآلهة وبخلاف تمثالى شنتايت المزدوج، فهناك واحد من أجل بوزيريس وواحد من أجل أبيدوس، نجد أيضًا، تماثيل لحورس وجحوتى وإيزيس ونفتيس الحدأتين وأبناء حورس وآلهة الورشة الجنائزية والشارات الإلهية وتماثيل ملوك مصر العليا والسفلى.
وفى اليوم الأول والعشرين، يتم نزع الإله من القالب، ويوضع مقدار من البخور العطرى على جزئين المكونين له ويتم جمعهما معا، ثم يوضع كل من الجانبين الواحد فوق الآخر، ويربطان بواسطة أربعة أربطة من البردى، بحيث يكون أحدهما على رقبته والثانى على ساقيه، وواحد آخر على صدره والأخير على الكرة المثبتة فوق تاجه الأبيض بحيث يبدو الإله فى هيئة مومياء لها رأس آدمى يعتلى رأسها التاج الأبيض.
ثم يُعَرض لأشعة الشمس طوال اليوم، وتكرر نفس الطريقة بالنسبة لجثمانه.
وفى اليوم التالى، خلال منتصف اليوم، يقام موكب يحتوى على أربع وثلاثين مركبًا بالنهر المقدس.
ويقوم هذا الموكب المكون من مراكب مصنوعة من البردى الصغيرة الحجم بنقل الآلهة الصغرى وتماثيل حورس وجحوتى، وآنوبيس وإيزيس ونفتيس وأبناء حورس حيث تشع عليها بضوئها مصابيح عددها 365، بعدد أيام السنة لم تحدد بالضبط دواعى وجود مثل هذا الضوء الباهر فى وسط النهار.
وفى اليوم التالى، أى الثالث والعشرون يتم ربط الأربطة حول تمثال خنتى امنتيو، ومعه التمائم الأربع عشرة المخصصة لحمايته فى المقبرة.
صناعة تمثال سوكر
هناك تمثال صغير آخر يتم صنعه أيضًا خلال هذه الأعياد وهو ” تمثال للإله سوكر“، وقد صب القالب الخاص بصنعه من الذهب، ومثله مثل القالب السابق ويماثله في الطول، ولكن غطاء رأسه يختلف.
هنا لا تبدأ الإستعدادات الأولى إلا في اليوم الرابع عشر من شهر كيهك، فى الصباح الباكرأى بعد مرور يومين على بداية تصنيع التمثال الذى يبدو في هيئة مزارع.
وفى هذه الحالة أيضًا تقوم "شنتايت" بتحضير الوصفة.
وعند تقدير المقادير بمعايير دقيقة، تقوم شنتايت بخلط مقدار من عجينة التمر ببعض الطين، ثم يرش الخليط ببعض المياه الآتية من قناة عنجتى ومن النهر المقدس بالمعبد.
ثم يتم تغليف هذه العجينة الأولى ببعض أوراق الجميز من أجل بقائها لينة الملمس، أى لكى تحتفظ بدرجة رطوبتها.
ثم تقوم شنتايت بتحضير البخور العطرى، وراتنج التربنتين الذى يغلف ببعض من ليف النخيل، وقد خلطت به العديد من العطور النباتية بعد طحنها ونخلها.
أضافت إلي كل ذلك 24 نوعًا من الأحجار الثمينة وذهب، وأنواع مختلفة من حجر الصوان والزمرد واللازورد واليشب الأحمر، ومن أنواع حجر الصوان وكبريتات الرصاص والعقيق الأحمر وغيرها، ثم قامت بطحنها هي أيضًا، ووضعتها فى كأس وخلطتها.
شكلت هذه العجينة جيدًا، علي هيئة بيضة غطيت هى أيضًا بأوراق الجميز من أجل أن تحتفظ برطوبتها، ثم وضعت بداخل إناء من الفضة، وتترك حتى اليوم السادس عشرمن شهر كيهك.
تقدر العناصر التى تكون تمثال سوكر بواسطة أوان تمثل أشكالها الأربعة عشر قطعة مقدسة لأوزيريس وهى الرأس والقدمان والذراعان والقلب والصدر والردف والعينان وقبضة اليد والأصابع وعضو الإخصاب والظهر والأذنان والرقبة والساقان.
اذًا ففى بوزيريس، تقوم شنتايت من خلال التمثال المصنوع من المعدن بإعادة تكوين جسد زوجها الذى قطعت أوصاله، أما فى أبيدوس، فهى تجهز من أجل مولده الجديد بواسطة تمثال يصورة كمزارع.
وبداية من اليوم الخامس عشر من ذلك الشهر، يتم إعداد الزينة الخاصة بتابوت رب الحياة، الذى سوف يحوى تمثال سوكر.
يسبق ذلك أيضًا إعداد الدهان المقدس المعطر أسود اللون، ووصفتة هى بعض القار المطحون، ويوضع معه بعض القار فى أوانى معدنية، وتسكب فوقة خلاصة اللوتس وبعض البخور الفائق الجودة وبعض الزيت النقى وكمية من الشمع وقليل من راتنج التربنتين ومختلف أنواع العطور ويرطب كل ذلك ببعض النبيذ والزيت، ثم يضاف إلى هذا الخليط كافة أنواع الأحجار الثمينة المطحونة طحناً جيدًا، وفى نهاية الأمر يخلط كل ذلك ببعض العسل واللبان.
تبدأ عملية نقع هذه التركيبة فى اليوم الثامن عشر لتنتهى فى اليوم الثالث والعشرون من شهر كيهك.
وفى اليوم السادس عشر صباحًا يتم عرض نوت المتمثلة فى ايزيس، ويبدو حورس ابن اوزيريس وهو جالسًا أمامها فوق مقعد صغير قائلاً: "هأنا حورس قد أتيت إليك أيتها القديرة وقد أحضرت لك ذلك من أبى"، وعندئذ يوضع الإناء الفضى المحتوى على العجينة فوق ركبتى الإلهة ويملأ منه القالب الخاص بسوكر الذى يقفل ثم يوضع فوق سرير فى مكان خاص يسمى بـ ”غرفة السرير“ وقد صنعت من الأبنوس المغطى بالذهب ويحظى تمثال سوكر فى حالة الحمل هذه بحماية فائقة.
فيقوم الإلهان حو وسيا بحراسته من الخارج، وفى الداخل تسهر عليه بعض الآلهة الحارسة. وهذه الحجرة عبارة عن مقصورة محمولة يتم وضعها هى أيضًا أسفل صندوق مصنوع من خشب الصنوبر، وبداخله أقيم أربعة عشر عمودًا صنعت قاعدتها وقمتها من البرونز وتغلفه طبقة من الحصير كما غطى داخله بالقماش.
وبعد مرور ثلاثة أيام، اى اليوم التاسع عشر، ينتزع تمثال سوكر من القالب، ويتم وضعه فوق قاعدة من الذهب، ويعرض لاشعة الشمس ويبخر ويرش بالمياه حتى يوم الثالث والعشرين.
وفى نفس هذا اليوم، يتم وضع تمثال سوكر فوق قاعدة من حجر الصوان ويطلى بالألوان ويلون الوجه باللون الأصفر الداكن، والفكان باللون الفيروزى، وخططت كل عين بأسلوب العيون المرصعة، وصنع الشعر المستعار من اللازورد الأصلى، وتألقت عصاه وسوطه بألوان كافة الاحجار الثمينة مجتمعة، ثم يعرض التمثال مرة أخرى لأشعة الشمس لمدة ساعتين.
خلال اليوم الرابع والعشرين، يوضع بداخل صندوق، ويوضع الصندوق بمقصورة بداخل المعبد الذي سوف يعتبر بمثابة مقبرة من أجل السنة المقبلة.
ويتلاقي هذا التمثال مع تمثال خنتى امنتيو الذى سبقه إلي هذا المكان منذ اليوم الثانى والعشرين أى يوم الموكب النهرى.
وضع التماثيل "القديمة والحديثة"
لا شك أن التماثيل القديمة والجديدة لا تستطيع أن تتعايش معًا، ولذلك فإن الضرورة تحتم إستبعاد التماثيل الإلهية الخاصة بالعام السابق.
هكذا، يخلع عن تمثال سوكر غلافه، وتجدد لفائفه ويغطى بشبكة معدنية، وفقًا لما تتطلبه شعائر الدفن، ويقوم بمهمة إخراج جسده أبناء حورس الأربعة.
وعندئذ يتم وضعه بداخل مقصورة أخرى الورشة الجنازية قبل دفنه نهائيًا فى الجبانة الإلهية. وفى نفس اليوم تتم طقوس متشابهة إلى حد ما على تمثال خنتى أمنتيو والرفات الإلهية المتعلقة بالعام الماضى.
فتقوم إيزيس وموت ونفتيس بإخراجها من المقصورة التى كانت تستقر بها منذ عام كامل ويتم دهنها، ولفها بلفائف جديدة، وفقًا لشعائر الدفن.
بعد ذلك يتم وضعها كل على حدة داخل مقصورة محمولة مصنوعة من خشب الجميز، حيث يدفنان إلى الأبد، وتتم الجنازة للتماثيل الثلاثة فى اليوم الثلاثين من شهر كيهك . وبذلك يكون سوكر قد بقى طوال سبعة أيام قبل أن يدفن وهى فترة محددة شعائريًا.
بالنسبة لكل يوم من الأيام السبعة التى يقضيها هذا الإله يعتبرعيد دفنه بدون أن يدفن، أى منذ اليوم الرابع والعشرين من شهر كيهك حتى آخر يوم به، فى حين يستقر هذا الإله فوق أغصان الجميز.
خلال هذه الأيام السبعة يبقى فى أحشاء أمه نوت، عندما كانت حاملاً فيه: ”اليوم يعادل شهرًا، وأغصان الجميز تمثل نوت“.
الطقوس التى تصاحب عملية دفن التمثال
يرتل القائم بالشعائر النصوص المقدسة، ويعتبر رثاء ايزيس ونفتيس هو الأكثر أهمية ضمن هذه التراتيل، ويرتل بشكل متكرر في الفترة ما بين اليوم الثانى والعشرين والسادس والعشرين من شهر كيهك، أى خلال تلك اللحظة التى تولد خلالها التماثيل الجديدة وتموت خلالها أيضًا التماثيل القديمة.
يبين هذا النحيب الذى تطلقه الإلهتان عن حزنهما وعن ندائهما من أجل عودة الحياة.
وكانت عملية دفن كل تمثال من تماثيل العام المنصرم، فى اليوم الثلاثين من شهر كيهك، تتم في وسط الليل فى إطار ما كان يعتبر من الأسرار الدفينة، فإن المساهمين فى هذا العمل كانوا يتظاهرون بأنهم يبحثون عنها ثم يتظاهرون بأنهم قد نسوا مكانها حتى مجئ العام التالى.
أُنزل التمثال إلى القبو الواقع تحت أشجار اللبخ، والدخول إليه من الباب الغربى، والخروج منه من الباب الشرقى.
وفى بوزيريس، كان يصاحب هذه الجنازات بعض المراسم المهمة الأخرى الخاصة بإقامة عمود جد.
لا شك أن موت الإله وتشكيل التماثيل الخاصة به فى كافة المناطق التى تتضمن أحد أجزاء رفاته، كل ذلك كان يتطلب المزيد من الجهد من جانب الإلهة الشعائرية التى تضطر للقيام بالعديد من المهام.
تجرى على التمثال شعيرة ”فتح الفم“، وخلال أداء الشعيرة يركز كل من شو وتفنوت إهتمامهما على جسد أوزيريس، ويتم وضع المومياء بداخل التابوت الخشبى، وبعد غلق التابوت يتم تغليفه بفروة كبش ثم بخليط من أغصان وأوراق نبات البردى، ويوضع كل ذلك بداخل إناء من الذهب، ثم يوضع تحت مظلة من خشب الأرز قد إستقرت فوق محفة.
بيت الحياة
وصف الأماكن بداخل ”بيت الحياة“ من خلال النصوص:
يقع فى أبيدوس، ويتكون من أربع أقسام من المبانى وقسم داخلى مشيد من البوص المغطى على هيئة خيمة، وفى وسطه توجد علامة الحياة. تتماثل أركان المبنى الأربعة بإيزيس ونفتيس وحورس وست، أما أرضه فهى الإله جب وسقفه هى الإلهة نوت، ويتراكب مع المبنى المادى مبنى آخر غير مرئى يتطابق مع الكون الذى خُلق.
يبقى بيت الحياة دائمًا على سريته وغموضه، وقرص الشمس هو الوحيد الذى يستطيع أن يخترق غموضه.
يبدو أن تشكيل التمثال وإحيائه يتم من خلال لحظة حرجة ودقيقة بالنسبة للكون كله، وبذلك تحتم الضرورة إتخاذ كل الاحتياطات اللازمة.
وتتم الشعيرة فى واقع الأمر، بمناسبة موت أوزيريس، وهى لحظة انفصام الكون.
لاشك أن أداءها بداخل بيت الحياة يتضمن مغزى ما، بكل ما تتضمنة من قوة، تستطيع أن تضفى على الشعيرة كل فعاليتها: ”إنها بمثابة الكتاب السرى الذى يعمل على إحباط وإبطال السحر، وكشف المؤامرات وإرهاب العالم أجمع، إنها تتضمن الحياة والموت.
والكتابات المصاحبة ”تمثل إنبعاث رع“، كما يمثل التمثال دعامة للحياة.
وتظهر الكتابات كافة الشعائر التى تقدمها للبشر، بهدف إستتاب التوازن الكونى، بل تسمح للتمثال بأن ينجو من أى تدمير ”سوف تكون بمنآى من الموت المفاجىء، سوف تكون بمنآى من النيران، سوف تكون بمناّى من السماء فلن تنهار، ولن تنقلب الأرض ولن يحرق رع الآلهه والإلهات“.
وتعبيرًا عن إندماج كل من اوزيريس ورع، فعلى التمثال أن يقوم بدوره كدعامة للحياة والعالم.
هل التمثال يُعبّر عن رع أم يُعبّر عن أوزيريس ؟
إن التمثال فى واقع الامر يُعبّر عن رع وأوزيريس فى آّن واحد وفقًا لما يقال لأوزيريس (صورة قلبك) هذا القلب مقر الفكر الخلّاق الذى فكر فى خلق العالم أول مرة فأصبح هناك إندماج بين رع وأوزيريس.
هذا الاندماج جعل من تمثال اوزيريس - رع داعمًا وضامنًا للحياه التى يمثلها هو نفسه، والتى تقوم على حمايته الشعائر التى يقوم بها البشر والكتابات المنطوقة.
لقد اُدمج الكائن الاوزيرى الذى جمعت أعضاؤه وأحيى فى إطار تقاليد يقوم فيها الكهنة والصناع القائمون بورشة الصياغه فى المعابد بصناعة التماثيل الإلهيه ومنحها الحياه.
هل الفن يعتمد على المواد التى يتم صناعة التمثال بها؟
والإجابة لا بطبيعة الأمر، بل يعتمد على الشعائر، فهذا الفن الذى كان يسمح للمادة الخام الخامدة المختارة والمقدرة بدراية بأن تنتعش وتحيا، كان يحفظ فى إطار شعائر تعمل ممارستها على إحياء الآلهه بداخل المعابد.
فالمادة الفعالة المختارة، سواء من أجل التماثيل الإلهيه أو من أجل الخليط الخاص بالتماثيل الأوزيرية، ليست فى واقع الأمر سوى مظهر تستتر وراءه حقيقة أخرى، ساعدت النصوص القليلة على توضيحها الممارسات الغامضه لإنعاش ولإحياء التماثيل المصنوعه من عناصر مركبة.
وهكذا نجد أن الاحتفالات بالأعياد وخاصة الإجتماعية منها ولها جذورها عند المصرى القديم، وتعتبر جزء من الميراث الحضارى للإنسان المصرى والذى تشكلت هويته أو على الأقل جزء منها من التراكم الحضارى له والذى يتظهر ملامحمه فى حياتنا اليومية حتى وقتنا الحاضر.
















0 تعليق