في زمنٍ يبدو فيه العالم أكثر اتصالًا من أي وقتٍ مضى، تتسلّل إلى شقوقه القديمة أشباح لم تغادره يومًا، أشباح التمييز، التي تبدأ همسًا وتنتهي أحيانًا بصخب الإبادة، من هنا، يعيد المركز القومي للترجمة تسليط الضوء على واحد من إصداراته اللافتة: كتاب "العنصرية والتعصب العرقي.. من التمييز إلى الإبادة الجماعية"، الذي ألّفه عالم الاجتماع إيان لوو، ونقله إلى العربية بجهدٍ مشترك كل من الدكتور عاطف معتمد والدكتور كرم عباس والدكتور عادل عبد الحميد، في عملٍ يُقدّم قراءة معمّقة لواحدة من أخطر الظواهر الإنسانية.
العنصرية.. العمى الذي يصيب الروح
في ظاهر الأمر، قد تبدو الموضوعات التي يناقشها الكتاب مألوفة للقارئ العربي، الذي يعيش في قلب وقائع التمييز والصراعات الممتدة في أكثر من بقعة؛ من العراق إلى فلسطين، ومن السودان إلى الصومال، حيث تتجلّى أشكال متعددة من التمييز، غير أن الكتاب لا يكتفي بإعادة طرح هذه القضايا، بل يتجاوزها ليقدم إضافات معرفية ثرية، خاصة حين يوسّع نطاق النظر إلى نماذج بعيدة عن العالم العربي، مستعرضًا حالات مثل غجر الروما، وميانمار (بورما)، والصين، واليابان، وأمريكا اللاتينية، ومن خلال هذا الامتداد الجغرافي، يضع القارئ أمام خريطة عالمية للتمييز، تكشف أن الظاهرة ليست حكرًا على ثقافة أو مجتمع بعينه، بل هي بنية فكرية قابلة للانتقال والتكرار.
العنصرية كفكرة.. كيف تشكلت نظريًا؟
كما يغوص الكتاب في الأسس المنهجية والنظرية التي قامت عليها أفكار العنصرية، كاشفًا كيف جرى تأطيرها فكريًا لتبرير الإقصاء، بل والتسويغ لقتل البشر والتخلّص منهم. وهنا، لا يعود الحديث مجرد رصدٍ لظاهرة، بل تفكيكٌ لجذورها العميقة، وطرحٌ لأسئلة مؤرقة حول الإنسان وحدود إنسانيته.
إن العنصرية ليست مجرد جرح في جسد الآخر، بل هي العمى الذي يصيب الروح، فلا تبصر في الإنسان إلا ما تمليه عليها أوهام التفوق. وفي نهاية المطاف، كل رصاصة تُطلق باسم العرق ليست سوى انتحارٍ بطيء لضمير الإنسانية، وارتدادٍ نحو فوضى البدائية الأولى.















0 تعليق