السبت 29/نوفمبر/2025 - 05:56 م 11/29/2025 5:56:44 PM
يشهد المجتمع المصرى تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة، تركت أثرها الواضح على وعى الأجيال الجديدة وتصوّرها للمستقبل.
فى الأحياء الفقيرة، يعيش الشباب أحلامًا أكبر من عالمهم اليومى، لكنها تصطدم يوميًا بجدار الواقع القاسى، فتتولد خيبات أمل متكررة وقلق دائم يجعل كل خطوة نحو المستقبل محفوفة بالارتباك والخوف.
تتزايد الضغوط المعيشية، وتتقلص فرص العمل، وتغيب العدالة الاجتماعية، بينما تتضخم أحلام الشباب المادية.
هذا التناقض يولّد فجوة هائلة بين الواقع والطموح، تتحول إلى اضطراب نفسى وانكسار داخلى يظهر فى اليأس والعنف، والرغبة فى الهجرة أو الانعزال، وارتفاع معدلات الانتحار على نحو غير مسبوق.
هؤلاء الشباب، وأغلبهم من الطبقات الأكثر تهميشًا، يحلمون بحياة مرفهة يتخيلونها عبر شاشات الهواتف ومنصات التواصل الاجتماعى، ومن بريق الإعلانات وقصص النجاح السريعة. ومع ذلك، يرفض الواقع منحهم هذه الحياة، فتتراكم لديهم مشاعر الغُبن والإحباط، إلى أن تتحول إلى غضب صامت، وأحيانًا إلى سلوكيات متهورة وغير محسوبة العواقب.
اتسعت الفجوة بين ما يراه الشباب وما يمكنهم تحقيقه فى حياتهم الواقعية، تراجعت الثقة فى قيمة الجهد والعمل، وحل محلها الاعتقاد بأن النجاح يأتى عبر الصدفة أو النفوذ أو الهجرة، أو حتى الاحتيال.
فى الوقت نفسه، تآكلت القيم الروحية والاجتماعية التى كانت تمنح المجتمع تماسكه، وتعين الفرد على مواجهة انتكاساته اليومية.
الثقافة، بمعناها الواسع الذى يشمل القراءة والفنون والوعى النقدى، لم تعد جزءًا من الحياة اليومية، بل صارت رفاهية يصعب الوصول إليها فى زمن يطارد فيه الناس أساسيات العيش.
ومع تراجع الثقافة، ينهار آخر خط دفاع أمام طوفان الماديات، ويجد الشباب أنفسهم داخل عالم بلا معنى، وبلا مساحة تربطهم بذاتهم وبمحيطهم الاجتماعى.
فى المقابل، تتصدر المشهد ثقافة سطحية واستهلاكية، تهتم بالمظهر والربح الفورى، بينما تتراجع الثقافة الأصيلة التى تبنى الوعى وتقوى الروح.
هذا الفراغ يترك جيلًا كاملًا تحت عاصفة لا يملك أمامها أى غطاء، ولا مفاتيح لفهم نفسه أو الواقع من حوله.
ليس غريبًا أن نشهد ارتفاعًا فى محاولات الانتحار، وانجراف بعض الشباب نحو المخدرات أو الجريمة كنوع من التمرد على واقع مغلق. فالانتحار لا يظهر دائمًا كقرار مباشر بإنهاء الحياة؛ هناك انتحار بطىء يمر عبر العزلة والاكتئاب والإدمان والانسحاب من المجتمع، مما يترك أثرًا عميقًا على الأسرة والمجتمع بأسره.
ويمتد أثر هذه الأزمة إلى الأسرة بالكامل: آباء منهكون فى مطاردة لقمة العيش، وأمهات يلاحقهن القلق والخوف على أبنائهن، وأبناء يتأرجحون بين عالم يحاصرهم وآخر يتمنونه ولا يصلون إليه.
هذا الواقع يولد شعورًا دائمًا بالعجز، ويجعل الشباب أكثر عرضة للتأثر بالثقافات المستوردة والممارسات السطحية، أو البحث عن ملاذات وهمية للهروب من الواقع، سواء عبر الإنترنت، أو الرحيل عن الوطن، أو الانخراط فى أنشطة غير قانونية أو مدمرة.
وسط هذا الواقع، يرتفع صوت المواطنين مطالبًا الدولة بضرورة إعادة النظر فى السياسات الثقافية والاجتماعية والتعليمية، وفتح حوار جاد حول احتياجات الشباب. غير أن المسئولين، وكثيرًا من الفاعلين الذين يُفترض أنهم يمتلكون القدرة على المواجهة، ينشغلون بقضايا هامشية، تاركين الجرح يتسع بصمت، دون خطة واضحة للحد من التدهور الاجتماعى أو النفسى للشباب.
ولعل ما يلفت الانتباه هو تنبيه الرئيس عبدالفتاح السيسى للإعلام والفنون إلى ضرورة الاهتمام بترسيخ القيم الأصيلة للمجتمع المصرى، والعمل على إنقاذ الشباب من الانجراف وراء ثقافات مستوردة وسطحية، ومنحهم أدوات القوة والوعى الضرورية لمواجهة تحديات الحياة.
هذه الدعوة الرسمية تؤكد أن الأزمة ليست مسئولية الشباب وحدهم، بل مسئولية الدولة والمجتمع بأسره.
الخطر الحقيقى لا يكمن فى معاناة جيل واحد فقط، بل فى احتمال أن يخسر المجتمع طاقته الأهم: شبابه.
لا مستقبل لوطن يعيش نصف شبابه داخل دائرة الإحباط، أو يسيرون نحو مصائر مغلقة دون أمل فى التغيير. فالأزمة ليست أزمة أفراد، بل أزمة منظومة كاملة، تتطلب إصلاحًا جذريًا يبدأ من الثقافة والتعليم ويصل إلى فرص العمل والصحة النفسية والقيم الاجتماعية.
الخروج من الأزمة ممكن، لكنه يحتاج إلى رؤية واضحة وشجاعة للتغيير. استعادة الثقافة كضرورة لا كماليات، وإطلاق برامج جادة لدعم الصحة النفسية، وتحسين جودة التعليم وربط مخرجاته بسوق العمل، وخلق مسارات واقعية للترقى الاجتماعى بعيدًا عن الشعارات، وإحياء منظومة القيم التى تعيد للإنسان توازنه ومعناه، كلها خطوات أساسية.
الشاب لا يحتاج إلى شعارات فارغة، بل إلى واقع يمكن الوثوق به، وإلى وطن يسمع صوته قبل أن يفقد نفسه، وطن يمده بالأمل، ويعطيه أدوات النجاح الحقيقية بعيدًا عن الإحباط والخداع.
الشباب هم حجر الأساس لأى مستقبل ممكن، وأى تقصير فى رعايتهم يعنى خسارة الوطن بأكمله.













0 تعليق